أطلت عيناه في الأفق البعيد فاغرورقت عيناها دمعا، وقالت من هذا الغريب كأني بي أعرفه منذ الأمس البعيد كما لو أنه عني ليس بغريب، وقبل أن تسدل الستارة اختفى القمر بين الغيوم استحياء من مطر القلوب.
أوت إلى فراشها وما إن أسندت رأسها لتنام حتى انتفضت ونهضت على عجل أخذت دفترا قديما قبلته وضمته إلى صدرها بقوة، سرح تفكيرها وهي تحاول فتح رسالة أخرجتها من بين وريقاته، وقد بدى عليها من طيها أنها بعمر كم سنة. كادت أن تفتحها ثم تراجعت عن الفكرة وأرجعت الرسالة إلى مكانها وعادت إلى فراشها بخطى متثاقلة تحمل عبء السنين وتنثر الحنين إلى ما لم يعد له وجود، ترش عطر الياسمين على قلب اغتيل عند الحدود اغتالته أربع سنوات من الوعود ليجمع بينهما اليوم الموعود يوم ارتدت الأبيض وزفت إلى بيته يوم ظنت أن الأحزان ستظل طريقها وإلى قلبها سوف لن تعود. سأعود يوما وإن لم أعد فأنا عن الدنيا مفقود، سأطرق بابك وأسير بك حيث الخلود حيث يلتقي قلبينا إلى الأبد فانتظريني سأعود، ولا تلقي السلام على أحد فغيرتي كما حبي ليس لهما حدود، وانتظريني فسأعود.
فاضت عيناها بالدموع وذهبت بنظرها إلى النافذة التي شابتها بعض الكسور حيث القمر عاد إلى الوجود دنت منها شيئا فشيئا وعادت لترى الصورة بوضوح ملامحها ابتسم ثغرها وعيناها بالدمع تجود، مررت يدها على خدها تخفي سيل العينين فقد أوصاها أن طالما تبتسم فهو حي موجود. وكيف تبتسم وهي لا تعلم متى سيعود، فكانت ابتسامة مزجت بين أمل اللقاء وخوف أللا يعود وقد عكست ما يلتهب بداخلها غرفة احتلها البرد والظلام وقد هون عليها القمر ببصيص شمعة بعض الجمود.
فهل سيعود حقا؟،…لا لا…حتما سيعود سيدفعه الشوق والحنين والحب اللا محدود…كل شيء خلق بحدود إلا حبنا فليس له حدود. أخذت نفسا عميقا وأسرعت إلى الورقة من جديد فتحتها على عجل وراحت تتأمل ما كتب فيها فهو لم يستطع مواجهتها بقرار الذهاب لأنه يعلم رأيها جيدا فاختار أن يترك لها الخبر في رسالة ولم تره مذ وقعت في يدها، ظلت تقرؤها لسنوات وتلومه على كل كلمة كتبت فيها وما نفع اللوم طالما لا تستطيع تغيير أية كلمة مما جاء فيها سوى التحلي ببعض القوة كي لا تهلك فيها.
وكان قد ورد فيها ” سألتحق بالإخوة المقاتلين أعرف أنك ستقولين لا تذهب لكن حبيبتي اعلمي شيئا واحدا أن قلبنا لا ينبض بحب الوطن لا يستحق أن ينبض قلبك له، وأن قلبا لا يحمل وطنا لا يستحق أن يكون لك مسكنا…وأنت موطني وأنا لك موطنا ونعم الوطن حبيبتي أنت ونعم المسكن…نشأت يتيما وإن كان الوطن كذلك أما فسأبحث فيه عن ابتسامة أمي، لم أر صورة لها يوما وخريطة وطني محفورة في ذهني وهو كل صوري لأمي، وسأحميه كما كنت سأحمي أمي وأحميك…ولا تقلقي علي فسألتحق أولا بمعسكرات التدريب وأعدك بالعودة الربيع القادم…زوجك المخلص دائما وابتسمي فطالما أنت تبتسمين فأنا حي موجود”.
سيطرت عليها مشاعر الحزن والحنين يا لها من ليلة مشؤومة وما أبأسها من لحظة وجدت فيها تلك البرقية مرمية تحت الباب حيث مضى إلى مصير مجهول، وها قد مضى ربيع وتبعه الثاني وصرنا في الربيع الخامس ولم يصلني منك أي خبر، فيا ليل عد وأعد إلي حبيبي أو اجعلني أمضي خلفه فألقى حتفي إن هو قضى حتفه، ليت النسيم يخبرني عن أحواله وحتى نسيم بلادي تعكر برائحة الرصاص ودخان القنابل وامتلأ الجو ندبا وعويل فقد انقضى فيه كل شيء جميل.
وفجأة سيطرت عليها مشاعر الغضب وتبدلت ملامح وجهها ورمت الورقة والدفتر…غبي…أحمق…وأنا مثلك غبية حمقاء…إذ لم أستطع منعك، لم أستطع إقناعك…وهم فعلوا بحيلتهم فعلوا…بغدرهم فعلوا…زرعوا فيك أفكارا شيطانية باسم الوطن وغذتها روحك المحبة للوطن…ولم يزرعوا يا حبيبي سوى الفتن، ولم نحصد سوى المحن…لم نحصد سوى الشجن…وانظر أين كنا يا حبيبي؟، وأين نحن؟…كيف أقنعوك بكل هذا؟، كيف أقنعوك؟…كيف كيف؟…من أخبرك بأن على صوت الرصاص ودوي المدافع تعلوا ضحكات أبناء وطنك وتزهوا في قلوبهم الابتسامات وترفع رايات الحياة…من أخبرك أن الأرض التي تتشبع دما تنبت الربيع…وكيف أقنعوك يا حبيبي؟، كيف؟…لقد فازوا وخسرنا…لقد انهزمنا، ولم نهزم سوى أنفسنا هزمنا تفكيرنا، هزمتنا قلوبنا وانتهينا…دمرنا وصرنا مشردين ولاجئين وموتانا لا هم يعدون ولا هم يحصون…دفعوكم لتقتلوا بعضكم بعضا، فمن دفعوك لتقتل في ديارهم دفعوا منهم من يقتل في ديارك من أجل كذبة عنونوها بحب الوطن والوطن واحد يا حبيبي والديار واحدة ومنذ متى فرقنا الشمال والجنوب والمشرق والمغرب، إنها حدود لبلد واحد فقتلتم بعضكم، كانوا الفتنة بينكم ينثرون ويزرعون وبدمائنا لها يسقون بدماء الإخوة أسقيت فخسرنا وانتصروا وهم يتفرجون…
ولم يسدل الليل ستائره بخيوط الفجر الأولية حتى تكاثف القصف وتعالت أصوات الإغاثة والبيوت صارت كعلب بسكويت تدهسها رجل شبح الدمار لتغدوا أكواما مكومة من طوب وطين كان متماسكا منذ سنين ولم تزلزل الأرض وما مر بها طوفان إنما فعل ذلك البشريين، فأي أنواع من الكائنات الحية هم؟، وهل هم يحسون ويشعرون؟. وما إن أقبل المساء حتى صار أمر البقاء في تلك البقعة أمرا مستحيل ونودي في الناس بالرحيل إلى مكان ليس أكثر أمنا بل أقل هولا بقليل. وسارت مع جموع الراحلين وحالهم من حالها لا تحمل شيئا عدا بعض الثياب ولا زاد ولا ماء فلم يبقي الدمار على شيء وبيتها صار كما الباقين مجرد آثار تشهد على حياة كانت تدب فيه في يوم من الأيام، ولا الأيام نفسها ولا الزمان وكله صار ضمن خبر كان.
بعد مسير لثلاث ساعات رأتها واحدة من معارف زوجها تحمل إليها خبرا يقين هو آت إنه من الراجعين، تجمدت في مكانها للحظات والجمع يسير سرحت بفكرها تلقي بنظرها إلى الوراء حيث تركت البيت لكنه لا يعلم بجموع الراحلين ودون إطالة غدت مهرولة راجعة أدراجها تجذبها لهفة اللقاء ركضت بكل قوتها رغم الإعياء، ركضت إليه ولم تعد هي نفسها منذ خمس سنوات فقد سكن الليل ملامحها ونالت الأوجاع من قلبها لتطال جسدها فأردته نحيل، ركضت دون أن تأبه لكل من كان يحاول تحذيرها من خطورة ما هي مقبلة عليه، فقط كانت لا تدري أتضحك؟، لم تبكي؟…فعادت تبتسم وتبكي وقد اختلط بداخلها دمع العينين بنزيف القلب ولو ألقي بعضا منه على حجر لكان كالشمع يذوب.
وصلت الديار والشمس قد مالت للمغيب تغطي وجهها بشالها الطويل وخوف يتملكها يهونه أمل لقاء الحبيب مضت تقترب من البيت رويدا رويدا وقد خيم السكون على المكان المدمر تدميرا رهيب، لقد كان هناك يرثي حظه فبالكاد تعرف على أن تلك لأنقاض تعود لبيت كان يملكه وقد ترك فيه زوجة لم يمض على زواجهما عاما واحدا. وما إن صارت بجانب البيت المكوم تنظر أين يمكن أن تجده فإذا به يحس بحركة ويصوب سهم الموت على مصدرها دون أن يتحقق هي لمن فأصيبت برمية قاتلة جعلتها تقف كالصنم في مكانها يعد الزمن عدد ثوانيها في الحياة ليتقدم إليها ويكشف عن وجهها فإذا به يذهل لرؤيتها تقف أمامه وقفة مغادر للوجود، سقطت على كتفه تلك ضمة الوداع قالت والنفس يتقطع منها لقد متت يوم ذهبت وما هذه اللحظة إلا إحياء لذكرى موتي فرد في يأس لا تقولي هذا لقد عدت ولن ترحلي عني فقالت – لا أنا أنا ولا أنت أنت ولا الربيع كما الربيع…فرد وهو يحملها عله يتمكن من إسعافها لا ترحلي ابقي معي، معي ستبقين…لا يمكنك الرحيل هكذا، لا يمكنك…ومع آخر كلمة له صرخ صرخة مدوية فقد فارقت الحياة.
- اغتراب
- التعليقات