شض
تأمّلت قرطاسي وقلت:” “أنا ابنة نوح”..
ظللتُ أُردّد هذه الجملة حتّى فرغت من آخر عقدة في اللّوح.دفعته بكلّ قوَتي نحو البحر.سكنني جلجامش. بدا لي اليمّ عاشقا يلثم أذيال ثوب حبيبته، تلك الرّمال الشّقراء النّاعمة التّائهة في وصال ديدنه قبلات سريعة محمومة حينا فاترة أحيانا.ذاب وريدي صبّا.عشقت زهرة الحياة.
تعالى أنيني وأنا أدفع لوحا بدا ولها بقرار لا يتحوّل .كلّما توقّفت لأستردّ أنفاسي ارتشف قطرات عرقي وطفق يمدّ له في ذاك المكان جذورا.
نادت غيمة في السّماء، كأنّها صوت أمّي :” سر يا لوح . كفاك مكرا”..
تذكّرت ترنيمة الطّفولة” أمَي نادت بسبعة جبال..سر بالنَاقة يا جمَال”
تنافست قواي في دفع اللَوح. سمعت خبب راحلتي .رفعت نظري. رأيتني أدنو من البحر وهو يعترضني مهلَلا يجرَ موجه الثَقيل بخطى تضرب كتخبَط أخطبوط أسير.
شعرت به يحتضن اللَوح بشوق العاشق.تسمَر اللَوح في مكانه.لم أفقه ما اعتراه، أتراه خجل أم وجل؟. نفضت عنَي غبار الطَريق. أسرعت أبحث عن مجداف وأنا أدعو لهما بطول عناق حتَى لا أفقد لوحي. بحثت عن قطعة خشب أو قضيب حديدي أو حتَى ساقي لأتَخذ طريقي سربا. فما وجدت شيئا. اجتاحني خوف جائر. قضمت السَؤال تلو السَؤال. صاح خافقي فزعا:” أتراها ممَن طالهم غضب الطَوفان؟ أتراها فرَت إلى ذرى الجبل؟”..
رفعت عينيَ دامعتين إلى السَماء.ضحك القمر. لقد وُلدتُ عرجاء. تأمَلت البحر أستأذنه مرورا فطلب صكَ الغفران. غرقت في الحيرة.
همس البدر :” هو الذَاكرة”. صحتُ:
_ذاكرتي..؟ أنَى أدرك ذي الذَاكرة المتلوَنة كحرباء ، المخاتلة كأنَها الزَئبق؟”
حدجني البحر بنظرة قاسية حازمة. لم أدر كيف امتدَت يدي إلى رأسي تقتلعه، تفتحه ، تنقَب في زواياه عن ذاكرتي.لم تجدها. فأعادت غلقه وتركيبه. بتَ أرى القمر يحبو أمامي. تشوَه الخلق.
وتواصل تجوالها في جسدي تتوسَله وشاية بتلك المخاتلة. فما ظفرت بجواب ، وظفرتُ بجسد جديد فقد معالمه قبل أن يفقد الذَاكرة.
هدر في وجهي :” هناك..في المرفق الأيمن.”.
ويا للولاء..انقضّت يسراي على يمناي تفكَكها بشراسة .
فتّشتها بضراوة ديوانيّ لم يشاركه العابر قهوته. فعثرت على قطرة متجَمّدة مسودّة تخالها حبّة حمّص متفحّمة. وضعتها يسراي على اللّوح ونسيت أن تعيد ذراعي المبتورة كما كانت. ما أوليتُ نسيانها شأنا. انشغلت عنه ببعضي المطروح للعراء أمامي. ما رأيت ذاكرة من قبل. لذاكرتي شكل مستدير بيضويّ مربّع، اتّخذ لونا مُسودّا مُبيضّا مشوبا بزرقة صفراء داكنة، تتخلّله خطوط حمراء مخضرّة،ملمسها صلب لزج بلا رائحة للَنّسيان. تدحرجت نحو ساقي الوحيدة. رفعتها عيني . سمعت طفولتي تستغيث. وددت أن أبتلعها وأعود أدراجي.ذاكرتي زهرة الحياة..
اهتزّ اللّوح بعنف . سقطت ذاكرتي في البحر. شاهدتها تغوص وتطفو، وضجّ المكان بالنّواحات القديمة على قبر أمّي، و تعالت زغاريد ولادة البكر، وتراقصت خفقات عشقي الأسطوريّ ثمّ أمست حوريَات يسكنَ بدرا لا تقضمه اللّيالي . ثمّ تحلّلت فتصاعد منها دخان بلون الضّباب ورائحة البخور.
ثملت بالفقد.اهترأت مفاصلي. وتاهت عيناي في الأفق الجاثم على وجهي ،يمزّق أنفاسي يحرمني بعضا من بخور الذّاكرة.
انكسرت الحروف على ديوان الذَكرى. شرقتُ بالصّمت واللّوح يخبّ متجاوزا نقطة العبور. تقشّرت تفّاحة عمري طولا و عرضا. تفتّتت أيقونة الصّبر في حاملة أوراقي. على الضّفّة الأخرى قطرات شهد فضّيّة يغريني تلمّظها و أشرق باللّاهويّة.
أخذت ألهث خلف لقمة العزم أسدّ ثغور الوجع المنفرجة . تخرج من التّفّاحة نواة حمراء أكتوي بلهيبها و أغرسها في واحة حلمي. تثمر حنضلة سويّة تصهر الحرف فينصهر فيها غيابا..استدارت الحنضلة واخضرّت فاخضرّت ثم اخضرّت لتصفرّ جدَا . ثمَ آنفطرت وآنداحت حبيباتها صورا.
نخرتني الصّور. تشابكت الخيالات وتداخلت.فرّت أسئلتي منّي إليّ. فاحتبست في حلقي . والتفّت حبائلي حولها تشدّ الخناق أكثر فأكثر.
نسيت اللّوح وعُجت أسأل عن أصل منه تنبثق كلّ الصّور فتتناثر زهراتها بين يديّ وتتهاوى بي بعيدا عن غياهب الموت انشطارا بين سواحق الحرف وظلاله..تهرب اللّغة من بين أناملي لتتفتّت على الورق وتتغلغل في صدري وجعا تلذعني سياطه كلّما انضاف إلى العمر آن فأُزهر وأُورق ليمتصّ الورق رحيقي وتُدميني الكلمات فأهتف:”هل من مزيد؟؟”
اللّوح تائه في اليمّ. ما حملتُ فيه زوجين. وزهرة الحياة هناك ضاد تاج خلود. قد تجري الرّياح بما أشتهي.سأخطّ حرفا على كلّ كوكب وأموت..”
ردّد القرطاس :” لست جلجامش.ولن تكوني. ”
أهداني زهرة الحياة.
- اغتيال ذاكرة
- التعليقات