مُنهمِكًا في مُتابعةِ أحداثِ فيلمٍ مُرعِبٍ، أفقْتُ على طرقاتٍ متلاحقةٍ ورنين متواصلٍ، لِجرس بابِ العيادةِ المُوصَدِ، بعدَ انتهاءِ مواعيدِ العملِ بِمدةٍ طويلةٍ.
هرعْتُ على عجل لِأفتحَ الباب، متوقعًا في قلق وصول حالة طارِئة مُلحّة، أنعشتني لفحة الهواء الباردة التي صافحت وجهي المتورد بتأثير مكيف الهواء الدافئ.
من خلالِ النّافذةِ الزّجاجيةِ لمحْتُ البدرَ مكتملًا مُنيرًا في السّماءِ الصَّافيةِ.
اندفعت لِلدَّاخلِ في الحال امرأةُ بدينةً بعضَ الشيء، في أوائلِ عقدِها الرابعِ، ينسدلُ على كتفيْها فِراءٌ نادرٌ، يلمعُ شعرُها الأشقرُ، ويومِضُ مع كلِّ حركةٍ منها قرطُها الذهبيُّ وخواتمُ الأصابعِ ببريق يخطف البصر، تحتَ أضواءِ المكتبِ السَّاطعةِ.
وقفتْ تلهث، وضعَتْ جانبًا حقيبةً بلاستيكيةً ضخمةً، لا أدري كيف استطاعت حملها رغمَ بُرودةِ الجوِّ، أمهلتُها حتى التقطتْ أنفاسها اللاهثة، كانت ترتجفُ في عصبية واضحة، وهي تتصببُ عرقًا، وتتلفتُ في قلق ظاهر.
أشرْتُ لَها بِالجلوسِ، مُحاوِلًا أنْ أهدئَ من روعِها، تهالكتْ على أقرب كرسي وصاحَتْ في صوتٍ مُتهدِّجٍ مِن فرطِ الانفعالِ، ملؤه الفزعُ والرُّعبُ، مشيرة إلى رقبتِها، فلمحتُ عليها آثارَ دماءٍ حديثةٍ متجلطة:
– لم أكنْ أتصورُ يومًا أنْ يَفعلَ بِي هذَا!!
سألتها في دهشة حقيقية:
– من هو؟
تجاهلتْ سؤالي مستطردة في تأثر وقد خنقت العبْرة صوتها المبحوح:
– أهدانيه أحد أبناء عمومتي في عيد مولدي قبل السابق، أتاني به رضيعًا، لا له سنٌّ تقطع ولا مخلب يخدش، علَى مدَى سنتينِ كانَ مِثالًا لِلُّطفِ والرقةِ: يهشُّ لي إذا رآنِي، يثب مرحبًا بي، يعانقُنِي في حنانٍ، لا يُطيقُ غيابِي، ولا يأكلُ إلا من يدِي.
استجمعْتُ شجاعتِي، وفحصْتُ الثُّقبيْنِ النافذيْنِ مِن آثارِ الأنيابِ الحادةِ. بعدَ إجراءِ الإسعافاتِ الأوليةِ، قلتُ في هدوءٍ مصطنعٍ وأنا أرتجف من داخلي هلعًا:
– من فضلك، أين يعمل ابن عمك؟
– يدير سيركًا شهيرًا متنقلًا بين العاصمة والمحافظات.
– سيدتِي، إن لم يكن ابن عمك هذا قد أهداكِ ذئبًا متوحشًا، فأنتِ في أمانٍ ما لم يَنفَقْ الكلب خلالَ أسبوعٍ!
لم أُتمَّ عبارتِي حتَّى شعرْتُ بِوخزٍ مؤلمٍ في ساقِي، بعدَ أنْ قفزَ من حقيبتِها تجاهِي كائنٌ لم أتبينه جيدًا، ثمَّ اندفعَ من النافذةِ المفتوحةِ، لِيبتلعَهُ الظَّلامُ.
تحاملتُ حتى أوصلتُها للباب وأغلقته وراءها جيدًا. رفعت صوت التلفاز للنهاية، محاولًا تكذيب أذني وأنا أسمع عواءً مكتومًا من ناحية الحديقة.

أضف تعليقاً