لا يكاد طوله يتعدى خمسة, أو أربعة أقدام. انحنى ظهره, يتقدمه صدره وهو يمشي أمامه, ذلك الرأس الذي غاص, بين نتوءات كتفيه. عاهة بشرية, وجهه أشبه بمثلث مدبب من الأسفل, عريض من الأعلى, له ذقن طويل خالطه البياض. كون ثروته من تعامله بالربا, بضاعته الوحيدة التي تباع وتشترى في متجره, فهي لا تخرج. أنني أتعجب من تلك الساقين المتقوستين’ كيف تستطيعان حمله. يفتح باب المحل عميل فيصدر الجرس المعلق على الباب صوت, فيأتي مسرعاً بخفة ونشاط, ولعابه يقطر ليمتص دم فريسته, إنه أشبه بذلك العنكبوت الذي نصب بيته للذباب فتتساقط فيه فلا تستطيع النجاة. ما إن يعرف حاجة الزبون, حتى يمسك بيده ويدخله مكتبه حيث السندات, والكمبيالات, وقد رصها داخل ملفات يعجز عن حملها أصحاب القوة الأشداء… قال له الزبون بنبرة حزينة, وهو يخرج تنهيده تحرق جمال الحياة, يستدر بها عطف المرابي. حاجته للمال.. وصاحبنا شاخصا ببصره نحو ضحيته, يغمز بعينه ويغمضهما بسرعة, وقد غاص في مقعده, وامسك بيديه حافت مكتبه. ينهض من مقعده, ويلف خلف الزبون وكأنه يلف حول رقبته حبل موته . كم حاجتك من المال . قال له الزبون الف ريال سيدي . كم هو القسط الشهري الذي تستطيع دفعه, مائة ريال. يطبطب صاحبنا على كتف الضحية, يخرج مستند وقد كتبت حاشيته باسمه واسم محله ,ثم يدفعها لهذا المستدين, ويعطيه قلم ويطلب منه أن يكتب. اسمه الرباعي ورقم سجله ومحل إقامته. وانه اشترى من السيد الأول حسب العقد, أواني نحاسية, بمبلغ وقدره الف وخمسمائة ريال. يتوقف الزبون عن الكتابة.. وهو يبرم القلم بين أصابعه وهي ترتعد, لكنه تذكر في هذه اللحظة صياح زوجته, ونكدها, إذا لم يأتي لها بالمال, وانه سوف ينام بالشارع, او بالمسجد, فكتبها والعرق يقطر على المستند, فيمسحه بطرف إصبعه الملفوفة بقطعة شاش ابيض. والمرابي ينظر إليه ثم يسأله هل كتبت المبلغ فيجيبه نعم سيدي. وماذا بعد.. اكتب على إن اقسط هذا المبلغ على خمسة عشر شهر. كل شهر مائة ريال, دون انقطاع حتى أنتها كامل السند, وفي حالة الانقطاع, يضاف خمسون ريال عن كل شهر. وقع هنا وابصم, يخرج كمبيالات بعدد الأشهر لتوقع ضحيته عليها. ثم ينادي على. أنا خادمه الذي اروي لكم حكاية هذا المربي الجشع, واشهد على صحة هذا العقد والبيع, بعد ذلك فتح خزنة حديدية, سمك بابها 15سم تقريباً, اسودت من جشع مصاص الدماء, يخرج مبلغ تسعمائة ريال, ويخرج لسانه وقد أخضر فيضع إبهامه عليه ويسحبه وهكذا بكل مره يعد بها الفلوس, دفعها بعد أن عدها أكثر من مرة . قال له الزبون لقد اشتريتها منك بما تعلم, فكيف تشتريها مني بهذا المبلغ,
لقد نقص المبلغ مائة ريال.. تلمع عينه اليمين وهو يطرف بها وقال كيف تريدني أن اربح, أبيعها عليك بسعر, واشتريها منك بسعر اقل, هكذا هو السوق. يضع هذا المسكين المبلغ بجيبه, والكآبة تغطي وجهه, وأنا انظر إليه, شعرت بآماله وهي تنهار. وارصدت هذا المرابي البخيل ترتفع. بعد انصراف الزبون من المحل, يخرج من مكتبه, ويجلس على كرسيه خشبي هزاز مصنوع من الخيزران وله صرير, يصم الجمال بضوضائه. بيده كاس شاهي عملتها له منذ الصباح الباكر, حيث انه كأسه الوحيد في يومه كله, يأخذ رشفات منه بأوقات متباعدة, يجلس وله همهمة, يطلق نظراته الحارقة من خلف زجاج محله تجاه ذلك الجالس بالجهة المقابلة للمحل, وقد امتلأ قلبه حزن وحسد منه, حيث يجلس شاب في العقد الثاني من عمره ,وقد افترش الأرض, يبيع بعض من الخردة ,ومن حوله الزبائن قد طوقوه. أنك لا تسمع ضحكاته المدوية من داخل المحل, يلتفت على ويسألني بنبرة حزينة, آلا ترى معي إن هذا الشاب مسرف, انظر حوله أربعة أكواب من الشاي شربها هذا الصباح فقط, كيف يعيش بهذا الإسراف والبذخ…
هز رأسه في حسرة مغمض العينين وهو يتمتم بكلام لم افهمه.
- الأحدب
- التعليقات