تنسحب الشمس تدريجيا، تتوارى أشعتها خلف البنايات الشاهقة، على الواجهات الزجاجية ترتسم معالم الشارع مشوهة الأبعاد فتبدو مثل لوحة تكعيبية غريبة.
تغرق المدينة في حركة صاخبة ومجنونة، تنطلق السيارات بسرعة، تتوقف بعنف، يختلط أزيز الفرامل بصوت المحركات وزعيق الأبواق، يعبر المارة في حركات سريعة ومتهورة.
يقف هو هناك على حافة الطريق، ينتظر، يمسك بيده اليمنى عصاه المعدنية الرفيعة، يبدو متوترا، يحرك العصا بعصبية يمينا ويسارا، ولكنه لم يكن مستعجلا…
هو رجل في حدود الأربعين أو يزيد قليلا، يرتدي بدلة عصرية مكوية بعناية، حذاء أسود لامع، حليق، شعره مصفف بتسريحة على الموضة، بين الحين والآخر يعدل نظارته السوداء في حركات نمطية، لا يلتفت وكأنه ينظر بعيدا، غير بعيد وعلى بعد خطوات تمر سيدة أنيقة، تنتبه لعصاه وحركاته المتوترة، سيدة جميلة، شابة في حدود الثلاثين، تقف لحظة، تتردد قليلا، تسأله:
– هل أساعدك على العبور؟!
– سأكون شاكرا سيدتي!!
تمسكه من ذراعه، يتأبط هو ذراعها في حركة عفوية، يمشي في خطوات رشيقة وواثقة، تنتبه فجأة لأناقته، أريج عطره الغالي، ساعته ذات السوار المعدني اللامع…
يشير هو بعصاه للسيارات العابرة، تخفف السيارات سرعتها، تتوقف، ثم، يعبران الطريق في هدوء.
كانت مندهشة، تفكر بصمت، عندما بادرها بالكلام:
– أنا ممتن سيدتي…انتظرت هناك كثيرا، الناس متهورون، وعبور الطريق أمر خطير…ولكنني عادة لا أجازف بالعبور إلا برفقة سيدة جميلة!!
توقفت، شلت بفعل المفاجأة.
فكرت بصمت، تساءلت:
– أيكون أعمى فعلا؟!
وكأنما استبطن خواطرها وهواجسها الصامتة…
– أنا يا سيدتي أعمى…صمت قليلا، ثم أضاف، ولكنني عادة لا أخطىء عندما يتعلق الأمر بالجمال!!
تفاعلت بداخلها مشاعر متناقضة، مزيج من الدهشة والإطراء والحرج…
حررت ذراعها من قبضته في حركة رفيقة.
ودعته بهمهمة خفيضة تكاد لا تسمع.
مرت لحظات…
كانت تبتعد.
أما هو فبقي واقفا هناك، جامدا مثل تمثال، ينظر جهتها ويبتسم…
وكان وقع كعبها العالي يتلاشى في زحمة المدينة.

أضف تعليقاً