قرّرَ أحدُ أسيادِ الجاهليّةِ أن يزورَ العصر، انتظرَ الفجر، وقبلَ أن يبْلُغَه ركبَ حصانَه ومضى ، بعد مرورِ بضعِ ساعاتٍ أوقفَه عددٌ من حرسِ الحدود، فاعتقدَ أنّهم من شياطينِ عصرِه، تمتمَ بما كان يقومُ به أمامَ آلهته، وتركهمْ يحاولونَ فهمَ ما ذكره قبلَ أنْ يختلفوا ويتقاتلوا، لعنَهم بهدوئِه ومضى، مرَّ بمجموعةٍ من النّساءِ استلطفنَ مهارتَه في الفروسيّةِ ، وأمعنَ النظرَ في بنيتِه، فترجّلَ عن حصانِه وجثا نحوهنّ وهو يعتقدُ أنهنَّ من تماثيلِ سُواعٍ التي تقرّبُه الى الله وقرّرَ أن يمتلكهنَّ بالإيمان.
اقتربَ من الحافّةِ التي أبصرَ منها البناياتِ الشّاهقةَ، وارتطمتْ أفكارُه بإرمِ ذاتِ العماد، فعرفَ أنّ القاطنينَ بها من أبناءِ جلدتِه واطمأنَّ قلبُه، وتنبّأ بأنّهم في غيابِ الأنبياءِ على خلافٍ مع الفلاسفةِ ومع أنفسِهم ومع الحقِّ ولا يملكون من الشّخصيّةِ مقوّماتٍ لحياةٍ كريمةٍ وسيبتسمونَ لوجودِه.. واستمرّ..
علمَ وجهاءُ المنطقةِ بقدومِه فقرّروا أن يستقبلوه بحفاوة ، وبما ينمُّ عن الأصالةِ والكرم، وبعثوا اليه برسولٍ حكيمٍ في الكلامِ والتوسّل، حدّثَه بالأمرِ ووافقَ وسار، تبعهُ الرسولُ حتى وصل، وبدأتْ مراسمُ الاحتفال، تقدّمَ واحدٌ غليظُ الصّوتِ ورحّبَ باسمِ الحاكمِ والرعيّةِ بالضّيف، وقدمَ واحدٌ قيلَ أنّه من أكبرِ المنافقينَ ليبدأ بالخطابَة، فأثنى على التاريخِ الذي يُكرّرُ نفسَه، وعبّرَ عن وفائِه للوالي وللسلطانِ والحاكمِ وأميرِ المؤمنينَ وللمعالي والعطوفةِ وصاحبِ الجلالة، ولم تنطقْ شفتاهُ ببنتِ صدق
فابتسمَ سيّدُ التّاريخِ الذي حضر، وقال في نفسِه: (لم يحدثْ ما كنّا نخشاه)، فتبسّمَ له الشّيطانُ وعددٌ كبيرٌ منَ الرعيّة والسلطانِ وقائدِ الشّرطة، وزغردتْ له النساء، وتحدّثَ الضّيفُ الذي رأى بالمظاهر هبل، واللات والعُزّى ووو، وقال في كلمته إنه مسرور لما شاهدَه وبأنّه سيمكثُ لأيامٍ يطالعُ فيها أمرَ الناسِ ويتحسّسُ حاجاتِهم لتقديمِ ما قد يلزم، ومضى نحوَ مخدعِه وصار بينَ ليلةٍ وضحاها من أسيادِ القوم، قرّرَ أن يعودَ ويبقى عليهم، فأبقى على ظلّهِ والياً، وهدّدَ به الرعيّة، ثم غادرَ بعدَ أنْ خلقوا منه إلهاً.
- الأعور
- التعليقات