صارعتُ الموت .. كنت ألطُمه في وجهه على التوالي منذ غرِق بنا قاربنا غير الشرعيّ حتى وصولي إلى شاطئ لا حياة تَدُبّ عليه .. مشيتُ صَوب الشمس حتى غابت لا أدري إلى أين تأخذني قدماي .. تشبثتُ بعامود إنارة على رصيفٍ لمدينةٍ تُلَوِّنُ ليلها أضواءٌ كأقواس قزحٍ تذوب في ألوانٍ وردية تسافر بالإنسان لفضاءات الخيال .. تأملتُ السعادة و الفرح على وجوه بعض المارّة و قد تحلقوا حول عازفٍ راح يُداعِبُ آلته الوتريةَ جالساً على الرصيف وقبعتُه فاتحةً فاها أمامه يُسقِطُ من شاء فيها قِطعاً نقدية كانت أنغامه مع عذوبتها تأتيني مُشوَّشة بصرخات رفاقي و استغاثاتهم والموت يفتح فاه يبتلعهم في بحرٍ لا قاع له و لا عنوان .. آهٍ كم أتوقُ لسيجارةٍ و فنجان قهوةٍ بِحَب الهيل .. جُبتُ بعينَيّ مطاعمَ ومقاهيَ على جانبَيّ الشارع .. كِدتُ أدخل أحدها متسولاً و قد اجتاحت أنفي روائح التوابل و الشواء .. لمحتُ يافطة على الرصيف بحروفٍ عربية .. تقدمتُ نحوها و قد أنهكني المسير .. قرأتها: ( منتدى أدباء و شعراء المهجر ).
دخلتُ في وجلٍ .. اتكأتُ بكتفي على الحائط قُرب الباب .. قاعة واسعة .. مقاعد على شكل دائرة كبيرة قد أشغلها أساتذة و أستاذات وكلٌّ بين يديه مجموعة أوراق .. تأملتهم طويلاً .. بدا لي أنني أعرف بعضهم .. أصغيتُ بإعياءٍ لمداخلاتهم:
_ نحن بصدد قاص عربي مغمور صاحب أسلوب سردي مُتفرِّد
تصلُح نصوصه لمنافسة الأدب العالمي .
_ الإعجاز هو أنه لم يأتِ من بين أسوار الجامعات
و لم يقرأ الأدب العالمي أو حتى العربي .. هو لا يعرف هوميروس أو هوجو أو هيمنغواي .. أو حتى شكسبير ولم يقرأ كتاباً واحداً لمحفوظ أو الحكيم أو كنفاني .. _ يا إلهي ..!
_ هو أديب لا يعرفه في بلده أحد .. و لولا مواقع التواصل لَما نشر و لَما عرفناه نحن .
_ لو لم يكن عربياً لقامت بلاده بالترجمة و النشر
لتتواجد مِن خلاله في كل المحافِل و تضع قدمها في مقدمة الأمَم ..
_ أذهلني نصه هذا المطبوع على صورته بين أيدينا .. أنصِتوا لأقرأ :
و ما أن انتهى من القراءة حتى علَّقوا جميعاً بلفظٍ واحدٍ :
_ الله ..!
انتبَهوا لتواجدي .. دهشةٌ أصابتهم .. وقفوا وقوفاً يتأملون بذهولٍ صورة طُبِعَت على أوراقهم تارة وتارة في ملامح وجهي الشاحِب يُحدقون.

أضف تعليقاً