للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

أولا: التجنيس ٠
يتصدر النص عنوان تميز بسعة الأفق ولا يدرك ذلك الانزياح المعنوي إلا من قرأ النص بكل دقة، فعند أول قراءة للعنوان بمعزل عن النص يتخيل القارئ أنه سوف يقرأ قصة بوليسية تنطوي على جرائم تراق فيها الدماء، فيفاجأ مع نهايات النص أنه توقعاته قد خابت، ويجد نوعا مختلفا من الامتحانات، امتحان مجتمعي ما زالت أياديه تمتد خلسة في القرن الواحد والعشرين وهو اثبات هوية الفتاة المتزوجة حديثا في مجتمع الشرف الذي قد سقطت عنه عباءة الشرف والنزاهة، وتعريف العنوان بالإضافة جعله هو والنكرة قريبين جدا، فهو مجرد امتحان مخصص للدم، لكن الدم في عصرنا قد بات له امتحانات ومحن كُثر.
ومع تفكيك النص إلى فقرات paragraphs سوف نجد نصا شموليا أجاد فيه الكاتب حياكة أكثر من جنس قصير لينتج لنا هذه القصة القصيرة، ويدل على ذلك الالتفات مابين الحوار الذاتي للأنا (مونولوج) في صدارة النص، يتخذه الكاتب نواة لينسج حولها المتن، فامتدت من (الأنا) خيوط متشعبة متفرقة مختلفة الألوان، وانتقل بضمير القص إلى (نحن) و(هم ، هو، هي)وبإعادة تفكيك الفقرات إلى شذرات fragments سوف نرى أن النص مكون في غالبه من عشرات القصص القصيرة جدا، بما تحمله كل شذرة من تكثيف وسرعة في السرد وترصيف الأفعال بشكل متتابع ومباشر مستغنيا عن الروابط اللغوية ليصب الفكر ويرسم الصور ويشرك القارئ في استنتاج نوعية الروابط الوجدانية لا اللفظية بين الفقرات.
كذلك نجد الكاتب يدمج الحوار الدرامي أحيانا ليكمل عملية الربط بين القارئ والنص، ويخرج من مكنون الضمير الجمعي وضمير الفرد وكأنه يتخاطر بنفسه تارة ويكمل تخاطر فئته العمرية (الطفولة) تارة أخرى.

السيميولوجي semiology
النص به زحام وزخم شديدان من حيث الإشارات والرموز المباشرة وغير المباشرة بما يجعل القارئ منتبها تمام الانتباه حال القراءة، ولعل علامات الترقيم التي يعج بها النص – التي تصدرتها علامة التعجب(!)- قد نفخت في النص روحا من الحراك والتفاعل الوجداني والتصويري، وكأن كل ما جاء بالنص يستوجب التعجب، بداية من تهميش أصحاب الرمز(نصف روح) وهم الأطفال، حتى وإن كان التهميش اضطراريا بسبب الفقر والجهل العام فهذا عذر أقبح من ذنب، وزاد الترميز بمصطلح (نص روح) من الارتباط بمكونات المجتمع آنذاك، من خلال النظرة الدونية للطفولة، فهي في كل شئ تستحق نصف نظرة، نصف اهتمام، نصف رعاية، نصف عطاء…الخ، وهناك من الرموز ذات الدلالة على البيئة المحلية الكثير، فقد دمج الكاتب بعض المفردات من الدارجة المغربية ومن ذلك إسقاط همزة الوصل من (ال) التعريف في (لمخننة، لعروسة) وقد أكسب ذلك النص المزيد من الواقعية، بالإضافة إلى تنوع الأساليب في النص والاكثار من الجملة الظرفية التي رسمت كل تفاصيل المكان والبيئة ووضعت الحدث بين قوسين زمانيين بداية من انطلاق الخبر وحتى انبلاج الصبح.

الانثروبولوجيا الاجتماعية..socio-anthropology
نرى في النص تشريحا جزئيا للمجتمع من خلال التفصيل الدقيق للفئة الرئيسية والتى تمثل السواد الأعظم للمجتمع الغربي في الفترة الزمنية التي تناولها النص وهي على الأرجح في العقد السادس من القرنالعشرين، مجتمع ذو شكل هرمي قاعدته العريضة من الفقراء والمهمشين (الحرافيش كما يطلق عليهم الكاتب)، أولئك الذين يعيشون معيشة الكفاف أو اللاكفاف، استعرض الكاتب بدايةً نواة مصغرة تتمثل في الأسرة التي لا تتسوق الا مرة واحدة أسبوعيا، وذلك لضيق ذات اليد ولأن العادة قد جرت على انعقاد السوق ليوم واحد كل أسبوع، حتى تلك الأسرة تنطوى على الشكل الهرمي؛ الأب في القمة، والأم (مع الابن الأكبرغالبا) هما ضلعي المثلث ثم القاعدة يمثلها عدد من الأبناء في مرحلة الطفولة، ثم يتطرق الكاتب إلى شكل هرمي آخر هو أهل الحي أو القرية (البيدر) كقاعدة لشكل هرمي آخر هو المدينة وهكذا…
أجاد الكاتب في توصيف الشكل المجتمعي من خلال الحدث الاهم في النص وهو العرس المقام في قاعدة الهرم الاجتماعي، وأهتم كثيرا بتفنيد رؤيته من زاوية الطفولة أولا( نص روح) التي ربط الكاتب بينها وبين (الكلاب) في مراحل النص، ثم من بعض الطبقات ومنها الطبقة الأقل أهمية وهن النساء ربات البيوت تحت ضغط الخدمة المنزلية ورعاية المواليد(تغصن حتى الأذنين في بول وبراز الرضع)، والبنات اللاتي غلبهن المجتمع على أمرهن، ثم يصعد بتوصيفه تدريجيا إلى طبقة الرجال (الأزواج والآباء) ثم طبقة أسعد حالا –فرقة الشيخات – اللاتي صعدن درجة بالكسب غير المشروع بإحياء الأفراح والليالي كنموذج للفساد الأصغر رمزاً لفساد أكبر، وحتى تلك الطبقة قليلة العدد صورها لنا المبدع صالح هشام في شكل هرمي تقف في قمته الشيخة (القرعة) لأنها تجيد الرقص الاستطراف وكونها أكثر بنات الليل مهارة في ذلك العمل ثم تتكون القاعدة من باقي بنات فرقتها الأقل حنكة أو الأقل دهاء وجمالا,,,
في هذا العرض الشيق للأنثروبولوجيا الاجتماعية نجد الكاتب يقدم نموذجا شبه متكرر لفئة المجتمع المهمش في معظم البلدان والدول العربية التى تشترك في وحدة واحدة من الدين واللغة والأعراف السائدة، مجتمع معدم لكنه مترابط، فقير لكنه يرضى، يعج بالجهل وظلمات المعيشة نعم لكنه ينتظر بزوغ الفجر الجديد، فيه الصالحون ومنهم دون ذلك، أشار الكاتب إشارات لطيفة إلى الآفات الاجتماعية المنتشرة في كل الأوساط من فساد في السلوكيات( بنات الليل، خمر الروج بولبادير، تدخين الحشيش) ، وقد أقام النص على قضية شديدة الأهمية وتعتبر لب الموضوع وهي (امتحان الدم)؛ عادة تشير إلى رمزيا إلى نزف المجتمع ككل ، وقد برع الكاتب في جمع خيوط النص هاهنا (ننسحب نحن – نص روح – من العرس ،جائعين ، مقهورين ،مذلولين ، نغالب النعاس ،وأهازيج التغني بشرف العروسين ، تدغدغ مسامعنا ،فنحسها بعيدة ٠٠٠بعيدة ٠٠بعيدة ٠٠٠لكنها تثير في نفوسنا التقزز و الشعور بالدونية ، نبتعد عن المكان ،نعرج على بيدرنا ، نرتمي فوق أكوام السنابل ، نروح في سابع موتة ، وجاثوم الجوع يجثم على صدورنا يكاد يخنقنا !)
أولا باستخدام لفظ (ننسحب) بما يرمز إليه من سلبية قد ينتهجها السواد الأعظم من المجتمع، ينسحبون من مواجهة الفقر والجهل والفساد، وتكرار الصفات (جائعين..فاعلين، مقهورين…مفعولين، مذلولين…مفعولين) تؤخذ منه الدلالة الواضحة على سبب ذلك الانسحاب، فهم مفعول بهم أكثر من كونهم الفاعل، وتلك النقاط بين لفظة(بعيدة..بعيدة…بعيدة) أعطى سببا للإنهزامية، فتلك الأهازيج والأغاني السعيدة يحول بيننا وبينها أزمان ومسافات، وتلك شكوى حارقة يرصدها القلم (٠٠٠لكنها تثير في نفوسنا التقزز و الشعور بالدونية) مشيرا إلى بشاعة تلك الأعراف التي لا يتقبلها عقل فهذا ليس امتحان للدم بل امتهان للشرف
ثم يتابع تلخيصه للمتن (نرتمي..نروح في سابع موتة، جاثوم الجوع يجثم على صدورنا، يكاد يخنقنا)
أخيرا؛ النص به تفاصيل كثيرة جدا تحتاج إلى توسيع عدسة النقد والتفنيد كالمشهدية والتصوير والانتقال الفكري والوجداني بين مراحل النص، وكذلك عنصر الصوت المتداخل والصخب الذي يدور فيه الحدث، ومنه أيضا التحليل النفسي للشخوص، وللكاتب، وإنسان هذه الحقبة بشكل عام، لكن كل هذه التفاصيل أظنها شديدة الوضوح وحتى لا تطول القراءة..
كل الامتنان للكاتب المبدع إذ شاركنا هذا النص الرائع.

أضف تعليقاً