إن الكتابة في مجال السرد او الشعر تعتبر حافزا للإبحار في مختلف العلوم التي بإمكانها أن تفي بالغرض ، ويندرج هذا في إطار ما يمكن أن نعتبره تأتيثا للذاكرة وتهييئها للإبداع ، فالناقد والمبدع على حد سواء في حاجة ماسة إلى توسيع آفاق المعرفة ، في الوقت الذي نكون فيه فكرة أو نضع تصميما في الذاكرة لما نحن بصدده ، علينا أن نعود حتما إلى التزود بالمعرفة ولو فيما يتعلق بالموضوع الذي نحن بصدد إنجازه حصرا !
فالناقد في بعض الأحيان يكون بصدد قراءة نصوص ، تغترف من معين الفكر الانساني بمختلف انواعه الضارب في عمق الحضارة الإنسانية ، سواء كان أسطورة أو او أدبا أو تاريخا ،و ذلك عن طريق الامتصاص من ترسبات الطبقات النصية المختلفة التي يقوم بهدمها من أجل إعادة بنائها في نصه ، أو عن طريق التناص والتضمين بمختلف أنواعه ، وتكون هناك تلميحات وإشارات وإحالات أو توظيف رموز دالة ، على هذا الكم النصي الموظف ، فيجد الناقد / القاريء نفسه في وضعية لا يحسد عليها ، إن لم نقل وضعية عجز تام وهو بصدد التأويل وتفكيك رموز النص ، وتحليل شفراته ، فيقع في تفسيرات خاطئة وإسقاطات قد تسيء للنص ، وبالتالي تدمر الإبداع ، ولا تتحجج بانفتاح النص على تعدد القراءات ، هذا صحيح ، لكن التعدد لا يمنع من أن يشمر الناقد على ساعده وقبل الخوض في قراءة النص ، من تحديد تلك الرموز التي تضيء وتخبو في النص ، وتعطي إشارات ضوئية خافتة ، كالمركب الذي فقد البوصلة في بحر متلاطم الامواج أو بريق حشرات ضوئية في ليلة عز فيها ضوء القمر ، وهذه المعرفة والبحث سيساعده على سبر أغوار النص ، وربط العلاقات بين أفكار المبدع والنصوص التي وظفها ، فقاقد الشيء لا يعطيه ،فكيف لناقد لا يعرف في مجال الأسطورة شيئا ويريد أن يفكك رموزا أسطورية في نص من النصوص ، وهذا لا يتعلق بجنس أدبي دون غيره ، لأن هذا التوظيف قد يمس كل الأجناس ، بمختلف أنواعها ، فلا يمكنك أن تحلل عقدة أوديب وأنت لا تفقه في علم النفس أو الأسطورة شيئا ، وإلا كنت تفتري على المبدع من أجل تدمير الإبداع وإن لم يكن في نيتك ذلك ، فالشاعر الانجليزي ،( اليوت) كان يفترض في قاريء نصوصه المعرفة الموسوعية ، من أجل التحليل والنقد ، لأن النص الإبداعي ، يكون عصارة مسح للتفكير الإنساني عبر مختلف الازمنة والعصور ، وتفكيك شفراته يستوجب هذه المعرفة ، وهذا ليس غريبا على النقد الذي يتعالق بمختلف العلوم الإنسانية ، ويختلف الاحتياج إلى علم من هذه العلوم حسب الوضعيات النصية ، فمرة يكون الناقد عالم نفس وهو يعالج قضايا تتعلق بالالهام والانفعال والإعلاء في الشعر مثلا ، ومرة عالم انتربولوجيا وهو يحلل نصا يمتح من ترسبات الحضارات الإنسانية على مر العصور ، ومرة أخرى عالم طب وهكذا ذواليك ، وكلما تعددت تعقيدات شفرات النص الإبداعي كلما مارسنا نوعا معينا من العلوم ، ولعل تعالقات النقد مع مختلف العلوم الإنسانية هي التي تستوجب هذه المعرفة الموسوعية للنقاد ،وهنا لا يجب أن يفهم أني أتبط عزائم القراء ، وأتنيهم عن قراءة النصوص الإبداعية لأن هناك من يعتبر شرط الموسوعية في النقد شرط تعجيزي ، و أقول لا عليكم إن النص يحتمل الكثير من المستويات القرائية المختلفة ، مادام يتكون من بنية سطحية وأخرى عميقة ، وما دامت لغته كذلك ترتكز على مستويات لغوية ، فيها المعنى المجازي و المعنى الحقيقي ، وقس على ذلك بالنسبة لباقي مقومات النص الإبداعي !
أضيف ملاحظة أخرى وتتعلق أساسا ، بلحظية القراءة أي أنها كالحرباء تغير ألوانها في كل وقت وحين ولا تستقر على حال ، حسب الظروف والملابسات، فما تفهمه من النص الآن قد تفنده بعد لحظات أو سنوات أو حقب تاريخية معينة ، ولعل هذه الخاصية هي التي تجعل النص ينحو منحى العالمية والاستمرارية ، يقول جان بول سارتر ( النقد يوقظ النصوص من سباتها ) والنقد قراءة ، والنصوص تستمد حياتها من تعدد وتنوع القراءات ، فالقراءات ونقد النصوص الإبداعية إذن تستوجب المعرفة العلمية وفي مختلف العلوم التي يتعالق معها النقد ، وإن لم نكن موسوعيين في العلم ، فعلى الأقل أن نتوفر على زاد مهم من المعارف يساعدنا على النجاح في مهامنا النقدية ،أما الإبداع فهو أكبر الحوافز والدوافع التي تقذف بالمبدع إلى المتح من مختلف العلوم ، والمعرفة في مجاله، فالشاعر الذي ينحى منحى التعبير رمزا بالأسطورة في أشعاره ، يتحتم عليه معرفة الأسطورة حق المعرفة ،و كذلك أعلامها وإن كان المجال بمثابة صحراء بلا حدود وبحر بلا شطآن ونهرا بلا ضفاف ، فمن المستحيل أن توظف زايوس أو بروميثيوس أو مارس كرموز أسطورية في النص وأنت لا تعرف من يكون زايوس أو غيره من الأعلام الأسطورية ، وحتى بالنسبة لتناصص نصه مع كم هائل ، من النصوص الأخرى حتما أن يكون على معرفة بها أو أن تكون ذلك الراقد في رحم الذاكرة والذي لا يستيقظ إلا وقت الحاجة أي عندما يستدعيه السياق بصفة عامة ، وهذا لا يقتصر على الشاعر فحسب وإنما ينطبق ذلك على جميع النصوص الإبداعية ، فكاتب القصة مثلا عندما تختمر الفكرة في ذهنه، عليه أن يكون مهندسا كطائر السنونو ،يحسن الاهتمام بالأرضية التي ستستقبل المولود الجديد ، أي عندما تتضح فكرة النص ، أغوص في البحت والتنقيب ، والإبحار في كل ما من شأنه أن يفيدك في كتابة النص ، بغض النظر عن المخزون المعرفي القابع في لا شعورك ، وربما البحث في إطار قصتك أحداثا أو شخصيات أو رموز أو غيرها ، سيذكي فيك جذوة الإبداع ، وسأعطي مثالا بسيطا ،أنا مثلا حددت تصميم قصتي القصيرة التي ستعالج طقوس استحضار الجن في ليالي كناوة ، أول شيء يجب أن أقوم به هو البحث في فكر كناوة وفي تاريخهم لأن هذا بشكل أو بآخر سيساعد على إبداع له أسس مبنية على قواعد معرفية ، قد لا تخلق أي مشكل لأي قاريء أو ناقد مستقبلا ،إذا كان النص مبنيا على بعض الحقائق التي تساعد على التحليل !
نستخلص أن الناقد والمبدع على حد سواء مطالبان بتنمية معارفهما والإبحار في العلوم والكنوز الانسانية دون الاقتصار على مرحلة تاريخية معينة ، لأن المعارف الإنسانية وموضوعاتها خارجة عن حدود الزمان والمكان !

أضف تعليقاً