الليل تمرغ بخنوع تحت أقدام الخوف من الأصوات المنبعثة من الأسفل فما أن تضع رأسك على الوسادة حتى تسمع فحيحاً ونقر فؤوس وارتعاش أمكنة ، الكبار حاولوا تهدئة الصغار ، النساء مذعورات لا يكففن من الثرثرة حتى وصلت نذورهن الى قطعات من الماشية والحلي وأزواجهن يوبخونهن بعدم الموافقة على هذا الكم الهائل من النذور اذا انجلى الموقف ، شيخ طاعن في السن يلصق أذنه على الأرض ويقول أسمع سنابك خيول وصليل سيوف ، آخر يدّعي سماع انهيار حجر وآخر يؤكد سماعه أصوات تتهدج أقرب الى اقامة طقوس دينية جماعية ، الأطفال والنساء شاهدوا بأم أعينهم قسما ً كبيرا ً من الأشجار نزلت الى الأسفل واختفت من سطح الأرض نهائيا ً دون ان ينتبه لها أحد بدليل أن أعشاش الطيور وبيوضها بدأت تتناثر في الشوارع وسطوح المنازل .
في منتصف المدينة يقف تمثال لشاعر المدينة الذي احتفل قبل أيام بالذكرى المئوية لوفاته على منصة من الرخام يزيد ارتفاعها على ثلاثة أمتار ، عطس بقوة وأخرج منديلا ً من جيبه ومسح فمه وقال بيتا ً من الشعر لم يحفظه الناس لهول المفاجأة ثم جلس على منصته وأخذ يتحدث بهدوء :ـ
روي والعهدة على الراوي ان عبود بن حذيفة بن مجريوش آخر أباطرة المجر الكبير في العصر الطباشيري ولد نتيجة مواقعة نسر مكسور مع كلبة سوداء هي آخر سلالة كلاب أصحاب الكهف وقد نشبت معركة ضارية دامت قرناً من الزمان بين النسور والكلاب راح ضحيتها خلق كثير حول جنس الأمبراطور فيما اذا كان أصله نسرا ً أم كلبا ً وهل سيكون حكمه نقرا ً أم عضا ؟ً وأخيرا ً بعد أن وصل الخبر الى الأمبراطور عن طريق الشماشمة أعلن أن الحكم يكون بالنقر والعض والطيران والركض ، ضمت الأمبراطورية ثلاثة أقضية وناحيتين ومقبرة ضخمة ينتمي لها بشر من أديان مختلفة ، أخذت الأمبراطورية على عاتقها بناء مدينة عصرية تحت الأرض على شكل قبور واسعة متطورة حتى صار سعة القبر أكثر من خمسة أمتار مربعة ، عبدوها بطرق وانفاق وآبار ، بين شارع وشارع مركز شرطة ، أي كائن يخرج رأسه من باطن الأرض يقطع وتقذف جثته الى الأعلى لتستقر على الأرض وتأكلها الضواري ، أحكم بناء المدينة ، حصنت القبور /الدور وأحيطت بسرية وحماية تامة ، وضع الحراس على المنافذ لمنع أي كائن يعيش على الأرض من الدخول اليهم ، عثروا على جثث تصل أطوالها الى أكثر من خمسة أمتار ، نصبوها كأبراج اتصالات ، وضعوا علامات مرورية عند مداخل ومخارج شوارع المدينة / الأمبراطورية التي ظلـّت تعيش بطريقة الأكتفاء الذاتي وتقتات على جذور النباتات فكل ما على الأرض محرم عليهم وكل ما تحتها هو من نصيبهم ، من وسائل إعلامهم اصدار أنين من تحت الأرض لبني البشرية ليلا ً كنداء يحفزهم على زراعة النباتات الجذرية كالبطاطا والجزر واللفت والبصل ، ظلت المياه الجوفية تحت سطوتهم ردحا ً من الزمن يسمونها دموع الموتى لنقاوتها وعذوبتها ، من نشاطات الأمبراطورية السطو المسلح على القبور والاستيلاء على الأكفان واستدلوا على معلومات خطرة مفادها أن الآدميين الذين يعيشون على سطح الأرض لا فائدة منهم على الإطلاق بعد موتهم استثناء من القماش الذي يغلفهم وهو عادة من اردأ أنواع الأقمشة وأرخصها . بناء على ذلك أصدر الأمبراطور عبود بن مجريوش أوامر صارمة بعدم قبول أي كائن يهلك على سطح الأرض فالأرضيون كما يحلو له أن يسمي بني آدم لديهم الشمس لتجفيف موتاهم وتطهيرها أو وضعهم فوق سطوح المنازل تقديرا ً لهم بدلا ً من طمرهم وتهجيرهم .أمر الامبراطور وزراءه وحاشيته بقذف الكائنات الداخلة اليهم ،أحتار الناس عندما وجدوا ذات يوم موتاهم مرميين عراة بعد أن سلبت أكفانهم ونهشتهم الضواري والكواسر خاصة حيوان القرطة الذي يشبه القطة ويتواجد في المقابر والذي أول ما يأكل مكامن العاطفة والتفكير ، الدماغ والقلب ويترك الجثة بفجوتين واضحتين ، البعض وجدوا موتاهم ممددين عراة على القبور ، لم يستدلوا على أية دالة عن فتحة خروج الجثة فالقبر على نفس ترتيبه ، ظل الناس في حيرة من أمرهم عقدوا اجتماعات مكثفة ، وضعوا حراسات مشددة بمعدل حارسين على كل قبر ، تم ابلاغ الجهات المختصة ومكاتب الدفن ومراكز الشرطة ووجهاء المدينة ، وضعت أحدث الأجهزة الكاشفة لمعرفة لغز ووقت خروج الموتى بهذا الشكل المفضوح ، وضعت أربعة جثث دفنت توا ً تحت المراقبة المشددة وبنيت القبور بالطابوق العقاري والمرمر والخرسانة وأحيطت بوحدة حراسة لاتغادر موقعها أبدا ً مزودة بكاميرات تلفزيونية حديثة وأجهزة اتصالات لاسلكية ، .
سمع صوت انفجار قوي اعتقد البعض أن طائرات معادية قصفت موقعا ً قريبا ً فرفع الحرس والموجودين رؤوسهم الى الأعلى بحثا ً عن الطائرة والهدف ، كانت السماء صافية الا ّ من غيوم بيضاء عالية ، لا أثر لطائرة أو هدف ، خفض الناس رؤوسهم وجدوا الجثث الأربعة ممدة على القبور عارية دون أي تخريب أو عبث بها أو خرق للقبور ، توقفت مكاتب الدفن عن استقبال الموتى ، اصطفت طوابير من السيارات المحملة بالجنائز، أضرب حفارو القبور عن العمل ، غصت المستشفيات بالمرضى المصابين بالصدمة النفسية ،علماء ،ضباط ، حرس ، حفارو قبور ، رجال دين ،. عناوين مختلفة بارزة بالخط الأحمر تتصدر الصحف والمجلات ، تجمع رجال الدين والكهنة والسحرة والدراويش وجربوا مختلف الطقوس والشعائر والتجارب دون جدوى ، أوفد أحد العلماء الذين درسوا علم الفلك والجن والكهنوت والطلاسم الى مقابر الفراعنة في مصر للمعايشة مع المومياءات وعند عودته عقد اجتماعاً ضخماً ضم خلقا ً كثيرا ً من مختلف الشرائح الاجتماعية واقترح على سبيل التجربة ان يدس مع كل جنازة خاتما من الذهب مع بعض الأحجار النفيسة أو تدفن معه عقيقته مع صاع من التمر وتحسين نوعية الأكفان بقماش من النوع الثمين ، أعطت التجربة نتائج حسنة واستقرت الجثث في قبورها وأيقن الناس ان تحتهم إمبراطورية تطلب الضريبة لتسدد نفقات المعيشة ، استقرت الأمور وساد الأمن وجرت احتفالات كبيرة في المقابر ونحرت الذبائح الا ّ ان تكاليف الدفن أصبحت باهضة بسبب المستجدات التي طرأت على مراسيم الدفن ، الناس شاهدوا على بعض القبور مزهريات جميلة بأوراد طبيعية تفوح منها عطور شذية ، بعد المراقبة تبين ان الميت الذي ترفق معه هدايا ثمينة خاصة الذهب أو الفضة أو الدولار الأمريكي تنبت على قبره مزهرية ، أفاد آخر تقرير بثته شبكات التلفزيون الفضائية أن طائرات الأواكس الاستكشافية المتطورة التي ترافقها الأقمار الاصطناعية أن مخلوقات آدمية بلون الفحم لم يستدل على ملامحهم وفيما اذا كانوا عراة أم لا ،يخرجون في الليالي الحالكة الظلام يحملون تماثيل وتحف وجداريات وأواني وحيوانات منحوتة من مادة العظم بدقة متناهية وفن مذهل .، عند الصباح تجمع الناس لمشاهدة المخلوقات العجيبة ، اكتظ المكان بالناس وازدحمت الشوارع واغلقت المحال التجارية ونزل الجيش والشرطة ورجال المرور ورجال الإطفاء ووضعت أجهزة الدولة في حالة نفير وما أثار الدهشة ان أي شخص يحاول المساس بهذه المخلوقات أو الإساءة اليها أو محاولة السرقة تبتلعه الأرض حد الردفين ويبقى نصف جسمه رهينة عند العالم السفلي /إمبراطورية المجر ، أي شخص يحاول انقاذ الرهينة يحل عليه غضب الامبراطور مجريوش فيسقط أحد أجزاء جسمه ،.ذراعه ، أذنه ، أسنانه ، دون أن تراق قطرة دم ولن يخرج من محنته الا ّ بعد دفع جزية وهي من الذهب الخالص تهدى للامبرطور أو لحاشيته وتدفن قريبا ً منه وما ان ينهال عليها التراب ترجع الأجزاء المقطوعة الى مكانها ويخرج الشخص من الأرض الى الأعلى ويمارس نشاطه الطبيعي ، شاع خبر المخلوقات الى أقاصي الدنيا حتى وصل جزر الوقواق ، اكتشفت النساء بمحض الصدفة اكتشافا ً خطيرا ً فما أن ينذرن لهذه المخلوقات خاصة العوانس منهن حتى تستجاب طلباتهن بشكل عجيب ، عندما عم ّ الخبر وشاع في أقاصي الدنيا وأصقاعها توسعت النذور والطلبات فتزوجت العوانس وعاد الأسرى وأطلق سراح المسجونين وعاد الشيوخ الى شبابهم والعجائز الى أمجادهن ، استغنى الفقراء ، شفي المرضى وخلـّف العاقرون.
في أحد أيام الجمع حضر أباطرة وملوك ورؤساء ورجال دين والبابا ومراسلي شبكات التلفزيون والقنوات الفضائية لنقل بعض الوقائع ففوجئوا بخطبة بليغة من أحد التماثيل ، أصطك الناس من هول المفاجأة وساد السكون حتى ليسمع صوت الإبرة على التراب ومما ورد في الخطبة اذا لم تخنّي الذاكرة :ـ أيها الملأ ملوكا ً وحمالين ، رجال دين وكفرة ، علماء وجهلة ، . بأمر الأمبراطور مجريوش الحاكم العام لما تحت الأرض شفي مرضاكم ، تزوجت عوانسكم ، خلـّفت عواقركم ، استغنى فقراءكم وما يريده منكم الأمبراطور هو فقط أن تسحبوا بساط البغض والنفاق وأن لايدنس أحدكم أخيه ….الى آخر الخطبة الطويلة التي استمرت زهاء الستين ساعة حتى نسي الناس الأكل والشرب والنوم والدخول الى المراحيض ..صمت لحظة ثم استأنف : بعد ان أطلق صفارتي التي هي تقليد لصفارة اسرافيل أرجوا أن تدسوا أيديكم في جيوبكم ستجدون هدية الامبرطور في جيب كل واحد منكم وهي عبارة عن كتلة من الذهب الخالص زنة الواحدة سبعة مثاقيل مع سبع أوراق نقدية فئة المائة دولار أمريكي وعندما تذهبون الى بيوتكم ستجدون في كل بيت سبع أشجار سدرمع سبع أشجار نخيل مثمرة مع سبع حمامات زاهية الألوان تبيض الواحدة سبع بيضات في اليوم كل هذا تكفيرا عن خطاياكم بقذف موتاكم عراة واذا كان لدى أي منكم مطلب سأنفذه في الحال وقبل أن يرتد طرفك إليك ، صاح أحد الملوك بعدما رفع يده وسمح له بالكلام : ان هداياكم غير عادلة فهل يصح أن أتساوى مع خادمي ووزيري مع حارسه ؟ فيما حصل عراك بالأيدي فكل يريد أن يستحوذ على حصة صاحبه من الذهب فنفخ التمثال صافرة غضب اهتز لها جميع من حضر وغاصت المخلوقات في الأرض حد الردفين فصاروا أنصاف بشر ووضعت أرجلهم فوق رؤوسهم على شكل صليب وهبت عليهم ريح صرصر عاتية فيما ارتفعت الأصوات وحركة النبش غير العادية تحت الأرض وقيل أن الأمبراطور أدركه المرض وعندما وافته المنية جردوه من ثيابه وقذفوه الى الأعلى ليستقر على الأرض مخلفا ً إمبراطورية من ندم ……
- الإمبراطورية الأخيرة
- التعليقات