مثل فأرٍ صغيرٍ وقع في مصيدة .. ظلت خائفا .. قلقا .. متوترا.. مرتجفا انظر بعينين مذعورتين .. إلي المدى البعيد .. من نافذة صغيرة محاطة بأسلاك شائكة صدئة .. والطريق الذي تسلكه العربة .. يمتد .. ويمتد .. وأنا لا ادري الي اين ..؟!. او اين أمضي .. ؟!.او متى سينتهى هذا الكابوس المفزع ..؟!. وما الذي خبأته ليَّ الأقدار ..؟!..والليل يطلب النهار حسيسا .. يغلف كل شيء بردائه الأسود الكئيب .. وأنوار المصابيح تبدو من بعيد شاحبة .. تغيب ثم تظهر فجأة مباني شاهقة .. يضرب ضوءها العربة.. ليدخل سرسوب من الضوء.. يقع علي وجه رجل لا اعرفه.. ركب معي منذ الصباح..والوقت يمضي بطيئاً.. كسلحفاء عجوز عرجاء عمياء.
أحاول أن أتذكر ما حدث معي بالضبط .. وما الذي جاء بي إلي هنا .. وكيف وصلت الي هذه العربة القميئة , الملعونة ..؟.. أعيد المشهد في رأسي من أوله .. وأدير الأحداث كلها من جديد في مخيلتي ….
” في الصباح نادوا علينا.. وقفت في زاوية ما.. ريثما يجهزوا لنا الأوراق المطلوبة.. والمأمورية الخاصة لكل واحد منا .. اقترب مني احدهم .. يبدوا انه قادم من بيته تواً .. يتجشأ .. مقطب الجبين .. زاماً ما بين حاجبيه .. وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة , لكنها ساخطة .. يدنوا متبرماً يمضي علي استلامي.. والسلاح الذي في يده ..سألني إن كان معي نقود ام لا ..؟. اكتفيت بهز رأسي نافياً.. يضع الكلابشات في يدي .. يزم عليها بأحكام .. وقد اذاد حنقه .. وتجهمه في وجهي . .وبدأ يسب ويسخط عليّ العيشة والحياة … غادرنا المكان على هيئة طابور .. والحرس يحيطوننا بالسلاح من كل جانب.. ركبنا عربة الترحيلات تلك العربة اللعينة القابعة امام القسم والناس يمرونا علي مسافة غير بعيدة منا .. منهم من ينظر الينا بلا مبلاه .. ومنهم من لا يشعر بوجودنا اصلاً .. فالكلٌ منهمك بمشاغله اليومية .. واخيراً وصلنا المحكمة.. كان أبواي في انتظاري هناك مع أهالي المتهمين القادمين معي … أمي لم تستطع أن تخفي دموعها .. أما أبي فقد تجلد أمامي .. وتظاهر بالقوة والشجاعة وبرباطة الجأش .. والصلابة التي عهدتها فيه دائماً.. اقتربوا الأهالي منا … بعدما استأذنوا الضابط المرافق للمأمورية .. الذي اشفق علينا وعليهم .. بعدما استأذنوه فسمح لهم بالاقتراب منا .. وأذن لهم بأن يدنوا ليجلسوا معنا ويسلموا علينا ويكلمونا بعض الوقت ــ لمدة عشر دقائق فقط لا غير ــ .وما ان دني ابي مني حتى ضمني بين زراعيه السمراء , الحانية , المرتعشة , ضمة شعرت ببردها ودف حنانها بين ضلوعي .. برهة قصيرة من الزمن .. يحاول فيها ان يغالب دموعه المترقرقة في مقلتيه .. قبلني بين عينيى .. نظرت في وجهه الذي ابى الزمان الا ان يضع بصماته عليه .. ويشقا الكبر والمرض بعض الأخاديد الصغيرة في طرقات وجهه الاسمر الجميل .. لم اتمالك نفسي ودموعي وهي خارطة علي وجنتاي .. حاولت ان انطق .. ان اتكلم .. ان اقول له ” سامحني يا ابي علي كل هذا العناء الذي قد تسببت لك فيه انت وامي” ولكن لم استطع فدموعي مع حجرجة صوتي منعتني من الكلام ”
أمي أحاطتني بزراعيها الهزيلة , الواهنة .. وراحت تغمرني بحنانها وعطفها .. ووابل من القبل .. وسط حبل من الأسئلة .. لا يقطعه إلا بكائها.
ــ ” عامل إيه يا ولدي…؟ صحتك أزيها …؟ .. بتآكل …؟ .. بتشرب …؟ .. بتنام زين ..؟ .. بتتغطى من البرد …….؟… الخ , الخ …” ..
ثم دفعا اليّ كيس أسود مربوط .. لم ينسي فرد الحراسة.. أن يفضه ويفترشه امام الباشا .. ليفتشه بالأمر المباشر.. يأتيني صوته البغيض.. ليحرك مشاعر الاستفزاز بداخلي ..
ــ”فيه أربع علب سجاير .. وعلبتين كبريت.. وسندوتشات فول وطعمية يا فندم .؟.
يومئ الضابط برأسه له بان يتركهم لي .. أتناولهم من يده المفتولة .. وكلي حنق وغضب منه وعليه..ابتعد بضع خطوات.. مع أبي الطاعن في السن .. حتى لا يسمعنا احد .. يربت علي كتفي .. يهزني هزة خفيفة حانية.. وهو يغالب دموعه حتى لا تجري من عينيه الذابلتين فوق طرقات وجهه الأسمر الذي ابا الزمن الا ان يضع بصماته الواضحة عليه.. وهو يقول لي بصوت اجش .. حبست نبراته غصة مريرة :
ـــ” شد حيلك يا ولد وخليك راجل .. براءة بأذن الله تعالي المحامي طماني وقال لي انك هتخرج من هنا ..بالسلامة علي بيتك طوالى لا تخف واطمأن أنا قومت لك اكبر محامي في البلد ..؟!!.
قاطعته بسؤالي الفضولي .. وبداخلي من الحزن ما الله به عليم.. والألم يعصرني علي اني تسببت في تعبهما .. وتحملهما فوق طاقتهما .. خاصة وانهما قد بلغا من الكبر عتيا .. ويحتاجا الي الراحة .. والي من يقوم علي خدمتهما , ورعايتهما ..
ــ ” من أين أتيتم بالفلوس …..؟!! ”
فأجابني بصوت خافت , ضعيف , حزين , وهو ينظر بعيدا.. وكأنه يريد أن يخبأ عني شيئا ما .. أو ربما يكون يتفقد المكان .. أوربما يخشى ان يسمعه أحدا.. يدنو مني ــ فأشتم رائحته الطيبة , الزكية ــ.. يهمس لأذني
ــ ” أمك باعت الذهب ….
ثم أردف يكمل بشيء من الحدة والإصرار .. وقد علي صوته قليلاً :..
ــ ” ولو رست نبيع لك البيت بس أنت تخرج لينا بالسلامة ـ إن شاء الله تعالي ـ”
نظرت لهما بإشفاق.. وانا لا استطيع مغالبة دموع الندم.. اقرأ ملامحهما في حب .. وانا نادم علي كل ما فعلت .. وما صنعت.. ولمت نفسي ووبختها كثيراً .. بل احتقرت نفسي وكرهتها أيضاً ..
” كيف جرئت على هذا .. وكيف طاوعتني نفسي الأمارة بالسوء .. لأفعل ما فعلت .. وتسببت في تعب احن واعز واغلى الناس ..أهل هذا جزائهما..أهل هذا هو البر الذي كان من المفترض ان ابرهما به .. وهل هذا جزائهما معي .. وهما يحتوياني بكل هذا العطف , والحنان .. تبت لي وألف تب ..” ..
ــ ” بس انتم قومتوا ليّ .. لحد الآن ثلاث محاميين .. وكل واحد فيهم يقول لكم نفس الكلام .. وبعدين أخرتها إيه طيب …؟!!!!!!!”
نظر إلي أبي وهو يبتسم .. ابتسامته الجميلة المعهودة .. يداري خلفها ما بداخله من حزن .. وقسوة الأيام , ومرارة العيش .. والموقف الصعب الذي وضعته فيه .. ثم اتسعت عيناه دهشة .. مع شيئ من الفرح .. وهو يقول ليّ .. وكأنه يريد ان يأخذ الحديث الي منحى أخر ..
ــ ” اسكت مش أمك شافت لك عروسة .. لا وإيه زى القمر .. بدر بدور سبحان من صور .. كلمت لك أبوها وافق علي طول .. والبت فرحت أنت لما تطلع من هنا بالسلامة إن شاء الله تعالي هنكتبو لك عليها طوالى”
كنت أدرك انه يقول هذا.. من باب التسرية والتخفيف عني.. وحتى يغير الموضوع .. ولا يجيب علي سؤالي .. الذي مازال يحيرني كثيرا جدا …؟
ــ ” من الذي جاء بي إلي هنا..؟.. إلي متى سأظل رهينة شيء لم افعله..؟!!
وهذه الجلسة التي لا اذكر رقمها من كثرة الجلسات.. والتردد علي المحكمة
” هذا إشكال .. وذاك التماس .. وتلك مرافعات … و… و… ”
الضابط يقوم من مقامة .. يعدل من بدلته البيضاء .. يقترب منا بخطواتٍ مختالة .. يأمر الجميع بالابتعاد عن المتهمين .. وهو يشير بيده .. للحراس ان يبعدوا زوينا عنا .. فالوقت المحدد قد انتهي .. ويريد أن يدخلنا في قفص الاتهام .. يربت ابي علي كتفي .. يحتضنني .. يقبلني مرة اخري .. وأمي تفعل بي مثل ذلك .. وينصرفا عني غير بعيد مني .. الضابط يأمر الحراس ان يدخلونا في قفص الاتهام .. ادخل القفص الحديدي وأنا أنظر الي ابي وأمي بأشفاقٍ عليهما من الجنون .. معي في داخل القفص اناس آخرين لا اعرف الكثير منهم أوعنهم .. بضع دقائق معدودة .. امتلأت فيها قاعة المحكمة عن أخرها .. بأهالي المتهمين , وبالأمن , والمحامين ,.. وذوي الضحايا .. وراحت الأصوات يعلو دويها كدوى النحل .. وتتداخل حتى لا تستطيع أن تميز بينها.. ولا بين ما يقولونه ..غير أني شعرت بدورا شديد يمسك رأسي .. افقدني القدرة علي الوقوف .. فاطررت للجلوس في ركن ما أري وأسمع وأتابع.. كل ما يدور حولي في صمت .. يدخل الحاجب مسرعاً .. يزعق بمد الصوت ..
ــ محكمة …..
العربة تقترب من السجن العمومي.. وهي تبطأ من سرعتها .. تعطي تلكس بطريقة ما .. وقد أرعشت ألأنوار الأمامية ..” تذكرت ذلك المشهد المحفور في الذاكرة المعروف في أفلام الأبيض والأسود.. عند موعد تسليم وتسلم البضاعة .. في المكان والزمان المتفق عليه.. بين العصابة وبطل.. والشرطة مختبئة في مكن غير بعيده .. حتي يتمكنوا من القبض علي العصابة وهم متلبسون بالجريمة .. ولا ادري لماذا يقبضوا عليهم قبل تسليم وتسلم البضاعة .. بمعني اخر .. لماذا لا يمنعوا الجريمة قبل وقوعها .. ” العربة تركن بجوار السور العالي.. أمام البوابة الرئيسية للسجن.. برهة من الوقت يخيم فيها الصمت علي المكان .. والظلام يلقي بظلاله على كل شيء والوجوه الواجمة الشاحبة .. يملأها الخوف , والقلق من المجهول … حب الاستطلاع والفضول .. دفعني لأن ارفع بصري لأعلي السور … حيث الأسلاك الشائكة ــ علمت فيما بعد أنها مكهربة ـــ والجنود المدججين بالسلاح .. شعرت بضربات قلبي كانت غير منتظمة تعلو وتهبط .. وبدبيب الخوف يدب في قلبي .. وقشعريرة سرت في جسدي .. أخرجت سيجارة من جيبي بتوتر .. أشعلتها في ارتباك وقلق .. أخذت نفساً عميقاً .. حبسته في صدري .. أخرجته مع تنهيدة قوية .. اتجهت بوجهي إلي داخل العربة.. ذات الرائحة الكريهة.. لأتفقد الوجوه الحزينة .. التي جاءت معي منذ الصباح .. والتي لا اعرف الا القليل عن اصحابها
” احمد ” هذا الشاب الوسيم الأنيق.. حكم عليه بالإعدام ..القاضي حول أوراقه الي المفتي .. ” شروع في قتل مع سبق الأسرار والترصد مبيت النية شد العزم علي القتل” هكذا.. حاول ان يقتل حبيبته.. لماذا..؟.. وكيف ؟ قيل والله أعلم .. ” تركته بعد قصة حب طويلة , وعنيفة .. وتزوجت برجل أخر ثري .. وهو الذي أحبها بجنون .. مشي معها خطبها .. بعد سجال مع الأهل .. الذين كانوا لا يريدون ذلك .. ومع ذلك خطبها .. ترك الدراسة من اجلها.. حتى يستطيع ان يعمل ويكون نفسه.. وعندما علم انها أنشبكت لغيره هرب من الكتيبة .. ومن دون أن يشعر به احد تربص بها.. انتظرها وهي عائدة من المدرسة .. ضربها من الخلف , وفر هارباً .. بعدما رآها تسبح في بركة من الدماء.. لكن الله اراد ان تعيش ..والقدر كان لطيف بها .. بقيت بعاهة مستديمة .. أفقدتها النطق والحركة والمشي .. إلا علي كرسي متحرك ادخلوها علي القاضي .. في صبيحة هذا اليوم .. واثناء الجلسة .. الفاضي سألها عن الذي فعل بها هذا ..؟. .. فأشارت إليه .. وبكت … وبعد سماع الدفاع , والمرافعة , ومحامي الخصم .. وأقوال النيابة .. وسماع الشهود وبعد الاطلاع على أوراق القضية .. وبعد المداولة .. نطق القاضي بالحكم حكمة المحكمة بالحكم علي المتهم بإعدام شنقاً ” ..
…… ” يقال ان أهل تلك الفتاة أيدهم طائلة وعائلتها واصلة ” ….
“أما ” هذا الرجل الذي يجلس بجوار زوجته وقد اسند لجواره جهاز صناعي لساقه المبتورة تواطأ مع زوجته الشمطاء وبالتحريض والاتفاق معها قامت بوضع السم القاتل لامرأة عجوز كانت تخدمها حتى يتمكنوا من سرقتها .. حكما عليهما بالإعدام أيضا ..”…
” وهذا الشاب شارد الذهن .. صاحب البشرة البيضاء .. والذي ينم عن العقد الثالث من عمرة ــ لا اعرف اسمه ــ أعطاه القاضي خمسة عشر عام مع الشغل والنفاذ ..علي جنايته التي قام بها …
” كان يتردد علي مقهى .. صغير في أول الطريق .. يلعب فيها الضمنة علي المشروبات .. وعندما منعه صاحب المقهى .. من اللعب والجلوس علي حتى يقوم بسداد ما عليه من دين .. أحرجة أمام الناس , والزبائن .. فعزم على رد الإهانة بالانتقام منه .. تربص به وهو عائد من المقهى .. وقت الغروب .. اخرج مسدس ” فرد خرطوش صنع محلي ” وضربه طلقتان .. أخطأته واحدة .. أما الثانية سكنت رجل كان عائدة من حقله تواً علي ظهر حمار يركبه .. عليه حمل برسيم .. فأردته قتيلا في الحال وفر هاربا حتى قبض عليه ..”
أتنبه للسعت النار التي بين أصابعي . اسحب نفسا أخير ..قبل ان أضعها تحت حذائي
العربة مازالت تقبع تحت السور .. بجوار البوابة الرئيسية .. وانا انظر من النافذة الصغيرة .. نحو الشارع الطويل .. وبعض المارة التي لم يمنعها حب الفضول من الاقتراب والنظر.. وانا معلق بالنافذة كعنكبوت مذعور .. فأري في عيون بعضهم الإشفاق..والبعض الأخرعدم الاكتراث واللامبالاة.. العربات تقطع صمت الليل الكئيب.. بضجيج محركاتها وأصواتها المزعجة والمباني البعيدة ..أغلب نوافذها مضاءة .. تمتمت في نفسي .. وأنا ابتسم ابتسامة فاترة :….
” قصة وراء كل باب .. ربما تكون قصة سعيدة .. أو ربما تكون قصة تعيسة.. لكنها لن تبلغ مهما بلغت من البؤس والشقاء والتعاسة .. مبلغ هؤلاء البؤساء الأشقياء..الذين جمعهم القدر معي في هذه العربة العينة ..ولا للحظة واحدة .. داخل هذا السجن القميء الفظيع ” ..
” يا الهي عقلي يكاد يجن .. يطير مني صوابي .. أنا ما صنعت شيئا .. لماذا إذا جيء بى إلي هنا .. في هذه العربة القذرة .. وهذا السجن اللعين البغيض .. أنا ما صنعت شيئا ..غير أني كنت أدافع عن شرفي وعرضي .. الآ يحق لي ذلك .. ” ……..؟!!!!
دوران المفتاح في القفل .. الذي وضع علي العربة .. يضرب في راسي كمطرقة من حديد ساخن .. يدمر كل أفكاري .. ويشتت ذهني .. ويذهب به إلي الهاوية .. صوت من الخارج يأتينا يأمرنا بالنزول بسرعة
ــ “يالله يادض انت وهو .. انزلوا بسرعة .. واحد واحد وراء بعض .. من غير صوت.. ولا شوره…عشان نحلص في يومكم اللي مش فايت دهوت..”
ننزل .. نقف بجوار العربة في الطل .. يرتعش اغلبنا من شدة البرد .. والبعض الأخر لا يبالي .. فقد أنساه برودة الجو .. وقسوة الطقس .. وظلمت الليل البهيم .. والجو القارص ما هو فيه.. أمام خوخة صغيرة في الباب الحديدي الكبير .. وقفنا طابور مصطفين .. والحراس يحاطونا من كل جانب بالسلاح … فتشونا تفتيش زاني .. ثم أدخلونا من الفوهة الصغيرة.. وقد اخذوا متعلقاتنا الشخصية كلها.. ولم يبقوا لنا شيئا.. علي بعد عشرون متر تقريبا ..سجن النساء الذي عرفته فيما بعد .. وضباط السجن يجلسون أمام التلفاز يشاهدون مطش كورة.. يأتينا صوت احدهم واضحا من بعيد ..
ــ ” وقفهم زي الناس .. وفتشهم كويس اولاد الوسخة دولت.. وخد الحاجات اللي معهم كلها …
دني منا ذلك الرجل الأصلع .. المنتفخ بكرشه.. والذي يصحبنه منذ الصباح أوقفنا صفا واحدا .. واخذ يفتشنا من جديد ..علماً بأنا قد تفتشنا قبل ذلك .. اكثر من مرة.. لكن ماذا تقول لعبد المأمور.. أخذ ما تبقي معنا من متعلقات شخصية.. وعندما فرغ من أداء المهمة .. أعطيه التمام مع التحية .. وكومة الأوراق التي في يده…وراح يتكلم معهم بصوت خافت ..لم يصلنا منه شيء ثم عاد ليأمرنا بإتباعه في صمت .. وهدوء ومن غير جلبة ..أو شوشرة ..
سأله احدنا وهو يسير بجواره .. وحب الفضول قد دفعني لأستكشف المكان
ــ فين وخدنا إن شاء الله يا شاويش ….؟
فرد عليه بنبرة ساخرة وحادة دون أن يلتفت إليه
ـــ علي الجنينة يا روح امك .. تسكين وفي الصباح يسهلها ربنا ..!
الظلام يحدق بالمكان .. اللهم إلا بصيص نور خافت .. لا تستطيع ان تستبين منه معالم المكان .. ولا يعطيك ألفرصه كي تميز الأشياء .. أو من بجوارك .. وصلنا الي العنبر .. المجاور لسجن النساء .. يبدو عليه انه مبني قديم ومتهالك .. يشبه المباني التي كنت أشاهدها بالتلفاز .. في الأفلام الأبيض والأسود… ولجنا العنبر وكل منا بداخله أحاسيس ومشاعر متغايرة وغريبة ومتناقضة.. اما عن نقسي انا لا استطيع ان اصف مشاعري في تلك الحظة .. ولكني استطيع ان اقول عنها .. مزيج من الرهبة ., واليأس ,. واللامبالاة ..البلاط الذي علي الأرض يبدو علية الوسخ والتآكل والجدران متهالكة متسخة وبها تصدعات وشروخ بعضها كبير والبعض الاخر صغير والألوان التي عليها لا تستطيع أن تميزه بالضبط هل هو رمادي زيتي , رصاصي لا ادري .. بطول المبني العتيق .. تصطف زنازين صغيرة علي الجانبين .. وعلي كل زنزانة ترباس وقفل من حديد .. وأنا اشعر بالانقباض والخنقة .. وأحاسيس كثيرة مختلطة , ومتباينة .. لا يمكن وصفها أو التعبير عنها بأي كلمات .. أو تعابير مهما كانت قوية .. غير أني أحاول أن اقرب الصورة للقارئ .. الإحساس منطقة وسطي بين الموت والحياة …. وبين الجنون والعقل .. السجن والحرية ..
” السجن من الخارج يختلف تماماً ..عما تراه أو تشاهده عبر شاشات التلفاز والسينما .. يختلف اختلاف جوهري .. من حيث المعني والمضمون .. وأيضاً من حيس المشاعر والأحاسيس .. فهناك فرق كبير بين ان تشاهد السجن عبر فلم عربي او مسلسل .. لمدة ثواني او دقائق معدودة .. وبين ان تعيش فيه بلحمك , ودمك , وشخصك , ومشاعرك , وأحاسيسك .. شيء بشع حقاً , وصعب , وفظيع علي النفس الوقت .. إحساسك بأنك مسجون متنزع الحرية .. أصعب ألف مليون مرة بكل تأكيد .. “…
“اذاً هو السجن ” .. ورحت ارددها .. كلمة من ثلاث احرف .. لكن معناها تملأ المجلدات.. تجاوزنا الزنازين المرصوصة.. ورتقينا السلم الحديدي .. لنقف إمام زنازين صغيرة أخري.. مرصوصة كعلب الكبريت.. دنى الحارس من احدها ليفتحها .. حب الفضول شدني لاقترب من ورقة ــ كروت صغير معلق علي باب زنزانة ــ لأقرأه .. صعقت لهول المفاجأة .. واصفر وجهي وانخطف
ــ ” هذه زنازين خاصة للإعدامات “..؟؟!!..
” رباه رباه .. هل حكم علي بالاعدم دون ان اعرف .. اعدام لماذا وانا لم افعل شيئ .. فقط كنت ادافع عن شرفي وعرضي .. الا يحق لي ان أدافع عن شرفي يا ناس .. انا لم اكن انوي قتلها .. ولا جاء ببالي هكذا أبدا إطلاقا ألبته .. ”
جذبني الحارس بيدي , فتراجعت بسرعة الضوء والبرق للوراء .. كدت اسقط من الطابق الثاني .. من هول الصدمة .. لولا اني تشبثت بالحياة وبالسور الحديدي الذي يلف العنبر ..وانا اصرخ في خوف وفزع
ــ “لا. لا. لا. ما هذا..ا لا لا ليس ها هنا تكون نهايتي.. لن ادخل هنا أبدا ”
قلت هذا وانا التفت الي السجان .. وهو يبتسم بخبس .. دون ان ينظر إلي.. وقد فرغ من ادخال المحكوم عليهم بالإعدام الي داخل هذه الزنازين الضيقة كالقبر وهو يقول :
ــ ” لا تخف ..انت تبات هنا لحد الصبح فقط .. فانا لا استطيع فتح الزنازين ألان ..!
تزمجرت .. رفضت .. ورفض من معي .. وتزمجر الجميع.. فانا اعرف هذه الأمور جيدا .. ربما هو يسايسنا .. لندخل ثم يغلق علينا الباب ..
ودارت برأسي في لحظة واحدة ألاف الأسئلة .. ومادت بيّ الدنيا , والفت ودارت .. واصررت علي عدم الدخول.. وعندما راي اصرارنا .. اخذ بعضنا الي الدور الثالث .. والبعض الاخر الي الدور الرابع .. وكنت انا ممن سكن الدور الرابع ..
في اول زنزانة علي ايدك اليمين وانت داخل .. زنزانة خاصة للقتلة ” … ــ ” اذا انت قاتل “.. ؟ ..
ــ ” لا لا لا انا لست بقاتل وانما كنت ادافع عن شرفي ليس الا .. ولم اقصد البتة أن أميتها ..
ــ ماتت خطأ اذا
ــ نعم وانا أضرب الرجلين الذين كان معها .. وكانت هي تتوسطهم .. لم انتبه اليها الا وهي جسه هامدة ماتت من غير قصد أو عمد مني ”
ــ والرجلان ما شأنهما ..؟
ــ فرا الجبناء
ــ ” لكنك في التحقيقات انكرت انك قتلتها ..
ــ ” نعم” أنكرت لأنهم كانوا لن يصدقوني ابدا .. والقانون الذي نحكم به ..لا يعرف حسن النوايا وانما يفترضا سوء النوية دائماً ..
ــ البرئ متهم حتي تسبت برأته ..
ــ الا في بلادنا .. البريء متهم حتي تسبت برئته .. الا تري انهم يفرضون سوء النية في كل شيء .. حتي عندما يذهبوا بالمتهم الي المحكمة يضعون في يديه الكلابشات .. ويخرج معه فرد حراسه مدجج بالسلاح .. خوفا من ان يهرب .. ” …
ــ ” دعك من تلك المهاترات.. ولا تكذب علي روحك .. انت قاتل .. وحكم عليك بالسجن .. ووضعت مع القتله اليس كذلك …؟
ــ الله يعلم اني برئ .. ولم اكن انوي قتلها .. فقط كنت ادافع عن شرفي.. ليس الا ..”
يدفع بي السجان الي داخل الزنزانة الضيقة .. وهو ينهرني , ويوصيني ان اقضي فترة سجني على خير وسلامة .. من غير شغب او عنف .. وان اكن في حالي حتي اخرج بالسلامة من هنا .. ثم سحب الباب بيده خلفي .. بعدما اشار الي المكان الذي سانام فيه .. القيت السلام علي المستيقظين في الغرفة سحبت قدماي المتعبة المنهكة الي حيث اشار بيده .. جلست بعدما القيت نظرت علي الزنزانة .. التي تبلغ مساحتها ثلاث تمتار قي مترين .. وقد وضع فيها سبعة عشر مسجون .. منهم من هو مستغرق في النوم .. ومنهم من هو مسترخي .. ومنهم من هو جالس في شرود “.. وضعت مفرش كان معي منذ دخلت الحجز ” كليم قديم “علي الارض .. وبقايا الطعام الذي أعطينه أبي في الصباح .. وكوب وصحن بلاستك .. فردت جسدي المتعب المتهالك عي الأرض .. اتكأت عي الحائط .. برهة من الزمن .. جرت أمام عيني .. خمسة وعشرون عام .. مرت كشريط سينمائي ..
قطع شرودي احدهم وهو يسألني :
ــ اسم الكريم …؟
ــ ………….
ــ حضرتك من أي البلاد …؟
ــ …………..!
وظل يسألني .. وانا أجيبه إجابات ومقتضبة مختصرة.. ذكرني بوكيل النيابة .. حين كان يسألني .. الزنزانة شبه مظلمة… وحيطانها صدأة .. ذات الوان رمادية تميل الي السواد , متآكلة , متصدعة وبها شقوق.. ورائحة كريهه تنبعث منها.. تأتيني من كل مكان .. مزيج من الروائح الغريبة الكريهة .. شعرت بالاختناق .. والغثيان .. شعور بالرغبة في التقيؤ امتعضت.. بحركة سريعة ولا إرادية..أخرجت منديلا من القماش .. وضعته علي انفي .. حتى أحدُّ من تلك الرائحة الكريهة..التي ما زالت تنبعث وتقوي وتزداد برغم الطاقات الثلاث .. التي تعلو الحائط الخلفي فوق رأسي..إلا ان الرائحة لا تتوقف.. لحظت ابتسامة ساخرة انتشرت علي وجه هذا الكائن الذي يحدثني.. ورأيت في عينيه الأشفاق.. وبأنه يعرف مصدر تلك الرائحة العجيبة الغريبة .. ولا يريد ان يخبرني ما كنها.. وددت أن اسأله .. ولكني أحرجت , وخجلت ان اسأله .. فتفاجأت به .. وهو يقول الي ما يشبه الإجابة عن السؤال الذي بدأ يدور في رأسي.. والذي احاول بكل ما املك من حواس البحث عن اجابة له :
ــ معلهش استحمل وهتتعود علي كده ..!
سألته عن الساعة .. فضحك ملأ فيه وهو يقول لي
ـ عاوز تعرف الساعة كام,هو انت وراك معاد ولا ايه .؟ ولا مستني حد ؟
ــ لا لا انا بس حابب اتعرف علي الوقت ليس الا ..
ــ وقت ايه اللي انت جاي تسأل عليه .. انت عارف قبل معني الوقت هنا ايه عشان تسأل عليه ..؟ هههههه هههههه,,
ــ ممكن اعرف انت بتضحك على ايه .؟
ــ عليك طبعا ..؟ حد بيسأل عن الوقت وهو في السجن ..؟ اما غريبه والله انسي يا حبيبي .. في السجن يجب أن يتوقف الزمن .. عن اذنك راح انام .. خد راحتك البيت بقي بيتك .. انت مش غريب سلام بقي ..
ثواني معدودة وراح يغط في نوم عميق .. وانا مازلت في حيرة من امري واردد في نفسي
ــ “اهو السجن اذا ”
هكذا ردتها في نفسي أكثر من مرة
وراح عقلي يسترجع شريط حياتي منذ وعيت علي الدنيا ” أبي, وأمي, طفولتي , لهوي , لعبي , جدي , هزلي , صباي, مدرستي , أصدقائي رفاقي الدرب , أخوتي وأهلي, بلدي الطيبة ..والأرض الواسعة التي كانت تحتوينا ونحن صغار.. مدينتنا قبل ان تغزوها المباني والأبراج الخراسانية .. وأحلام الطفولة.. والصبا.. وبيتنا الصغير.. وشارعنا الطويل, وابناء اخوتي وكتبي , وغرفتي المتواضعة .. وتذكرت ايضا ما جاء بي إلي هنا ..”
وظلت شبه مسترخي في مكاني ” نمرتي ” التي هي في اخر مكان .. في زاويه الغرفة .. بجوار حوض التشطيق .. وحوض التشطيف هذا عبارة عن مربع من الطوب , واسمنت , أحضروه من الخارج .. بواسطة احد مخبري السجن .. او احد السجانين .. بعدما يكونوا قد دفعوا له ثمنه علب سجاير .. فيحضر لهم الطوب والاسمنت ..وهم يقوموا ببنائه .. وهو عبارة عن حوض متر في متر علي الأرض .. ارتفاعه مدمكان او ثلاثة .. يقوم كل واحد في الزنزانة .. بإفراغ ما فيه وتنظيفه مع تنظيف الزنزانة كلها .. وذلك كل يوم بالتناوب بالدور.. ومن يمتنع يأتي احد المسجين .. من خارج الغرفة ويقوم بهذه المهمة . بالنيابة عنه واعطائه علبة من السجائر .. وهذا الحوض يجب ان يستخدم في التبول .. وغسل الموعين والتشطيب وفقط.. ولا يصح ولا يجوز بحال .. ان يقوم واحد من الذين في الزنزانة بالتغوط فيه .. وان اطر الي ذلك فاليكن في كيس بلاستك ــ اعزكم الله ــ ثم يربطه ويضعه علي جدار الحوض حتي الصباح ..
سمعت صوتا خافت .. يأتيني من مكان مجهول في الزنزانه .. وبه بعض النبرات الشبه ساخرة :
ـــ اهلا ابو زمل .. معك سجاير ..؟
ــ ……..
ضربت يدي في جيبي .. لأخرج علبة سجائري .. اخرجتواحدة ومددتها امامي .. وانتظرت صاحب الصوت يأتي ليأخذها .. برهة وجد فيها ما يشبه الشبح .. وهو يمشي علي سور.. من لبة واحدة .. حتي لا يدوس علي فرشة احد .. فهذا هو قنون المساجين ..
“لا يصح لك ..ولا يجوز ان تتعدي علي نمرة غيرك,بأي شكل من الاشكال سواء كان ذلك بالنوم , او بالمشي , او الجلوس , او وضع اي شئيئ من الاغراض الا بأذنه .. وذلك منعاً للضرر والأذى الذي قد يلحق صاحب النمرة .. وايضا خوفا من العدوي .. وانتشار الامراض .. وما ادراك ما انتشار الأمراض في السجون ”
يتخطى النائمين ويتفادى .. سمرت عينايا علي هذا القادم .. لأتبينه عن قرب .. فتكشف ليّ عن كائن غريب , وكأنه جاء من اقصي التاريخ.. بل حيل الي انه انسان قائم من جوف الماضي السحيق .. أو قام من بين الأموات تواً .. شكله فظيع .. هيئته رثة .. منظرة بشع .. حاله مزري .. كائن غريب يشبه الانسان .. او انسان يئبه كائن غريب .. لا فرق بينهما .. لا تراه الا في عالم الاشباح.. التي تري محاكاتها في افلام “السحر الأسود” في هوليود .. دني مني اكتر , وبسرعة الضوء التقط السجارة , من يدي الممدودة له , وهو يضحك ضحكة هستيرية بلهاء .. لتكشف عن بعض اسنان متأكلة .. وانياب بعضها متهدم .. والبعض الأخر ليس له وجود.. مقدمة رأسه صلعاء .. وجوانبها بها شعر كثيف مخطلط بالسواد والبياض وله لحية كثة , ملبدة كريهة .. وشارب يغطي شفته العلي .. يرتدي جاكت ازرق قديم ومتهرئ.. قصير الكمام .. ومفتوح علي بطنه المنتفخة .. التي يوارها بلوفر قديم متأكل .. محاك في بعض جوانبه .. وبنطال لا تستطيع ان تميذ ان كان اسود ام ازرق .. ــ وقديم ايضا ــ بالكاد يغلق علي وسطه ويكاد يصرمه .. وضع السيجارة في فمه .. ثم دني بوجهه نحوي .. يطلب مني ان اشعلها له .. فشتمت رائحة كريهة .. ربما يكون هو مصدرها .. او ربما من مكان اخر .. دققت في وجهه الشاحب .. فبدأ وجهه ينم عن شاب في الأربعين من عمرة .. او يتعداهم قليلا .. فأخرجت انا ايضا .. سيجارة اخري .. وضعتها في فمي .. اشعلت له سيجارته قبل سيجارتي .. فشكرني وعاد سريعاً .. كما جاء في خفة .. وحركة خاطفه .. وهو يسألني ” عن اسمي ..؟ .. وعن المدة التي سأقضيها معهم .. ؟ . وفيما اتيت ..؟ .. وما السب الذي دفع بي الي هذا المصير..؟!!.. ” …
اخذت نفسا عميقا .. ثم اخبرته عن كل ما سألني .. فرأيته يبدي تعاطفا معي .. وتأسرا بكلامي .. وحكايتي …
ــ لو سمحتم اخفضوا صوتكم شويه عوزين ننام ..
انبعث هذا الكلام .. من تحت غطاء .. لشخص مسجي امامي .. التزمت الصمت .. اما هذا الشبح راح يرد عليه .. وهو يضحك بهستيرية .. وقد امحي تأسره بكلامي .. واختفي تعاطفه معي تماماً .. ليقول له ..
ــ يا ايو حسين ضيف جديد مشرفنا .. ما رحبوا ش بيه .. وما نتعرفوا ش عليه يعني …؟!!.. هههههههههههه ههههههههههه ههههههههههه
فجاءه نفس الصوت الأول.. من نفس المصدر.. بنبرات حامية في تلك المرة ليقول له
ــ الصباح رباح يا يا سيدي .. ابقي اتعرف عليه الصبح .. اهو عندك اهو .. هو هيطير يعني .. مه قاعد معانا يا سيدي …
اتابعه وهو يرد عليه .. بعدما اخذ نفسا عميقا من السجارة.. وكأنه يستجديها الا تنتهي ابدا.. وقد بدأت بعض الجسس .. تتململ تحت اغطيتها ــ
ــ يعني هتمنعني من الكلام ولا ايه .. هو يبقي سجن من كله .. حتي الكلام ممنعين منه .. ام عجيبه والله ..!
ــ يعني ما نموش ونسهر عشان نسمع حضرتك
ــ طاب ما تنام حد خاشك
ـــ هو اللي معاه واحد زيك ينام
ــ اللي عاوز ينام هينام في اي حتي
وهنا يزيح الرجل النائم .. الغطاء من علي وجهه .. في حالة غضب شديد رأيت وجهه الأسمر .. وعيناه قد اتسعت حدقتاها .. وقد جز علي انيابه .. وراح ينظر اليه نظرات حاده .. وكأنه ينزره , ويتهدده ايضا .. برهة من الوقت خيم فيها الصمت.. انتهزة الفرصة لألطف الجو بينهما .. بشيء من والاعتذار .. فوجدته قد حول نظره تجاهي .. وقد افصحت اسريرة عن ابتسامة عريضة .. وكأنه قد قبل واعتزاري .. وراح يسألني :
“عن اسمي ..؟…وبلدي ..؟ .. وعملي قبل ان اتي الي هنا..؟ .. وعن سبب المجيء الي هذا المكان المشؤم ..؟.. ” ..
فأجبته عن كل شئ .. وان احاول ان اخفض من صوتي .. حتي لا ازعج احدا او ايقظه ..
أحببت ان اتعرف عليهما .. لأني سوف اقضي مدة عقوبتي معهم .. في نفس الزنزانة .. وأردت ان واعرف منهم بعض الامور .. واستفسر عن بعض الاشياء عن هذا المكان .. حتي يمكنني ان اتعايش مع الجميع بسلام فوجتني اسأل من اخذ مني السجارة اولا ..:
ــ اسمك ايه
ـ حسين
ــ عقوبة
ــ تأبيدة
ــ خمسة وعشرين سنه
ــ بعيد عنك ههههههه هههههههه
سكت برهة من الوقت … وقد لاحظا سكوتي .. وكأنهما احسا اني اخجل .. ان اسأله عن تهمتة .. فوجته يبتسم .. وهو يحاول ان يجيبني عن سؤالي الذي لم اسأله له .. جلس نصف جلسه .. اتكأ في جلسته بعدما كور بطنيته تحت جنبه وتكأ عليها .. وراح يروي لي قصة عم احسين .. وهو يشير اليه ــ ” حسين كان شغال في الدخلية .. وتسجن عشان قتل مراتة .. ثم سكت وفي عينيه شيء غموض.. وسكت انا ايضا بدوري ..عن السؤال.. والبحث عن التفصيل .. وكتفيت بالنظر اليه وفقط .. فطأطأ راسه ونظر الي الأرض برهه من الصمت طلب فيها ” ابو حسين ” سيجارة اخري مني .. فوجدتني بدوري ..ومن دون تردد .. اطرح سؤال اخر .. لهذا الكائن الذي يقبع امامي ..
ــ وانت يا ابو حسين قتلت مين .؟
ــ انا أخذت تار اخويه الله يرحمه ويحسن اليه ..
ــ اسمك ايه ..
ــ …..
ــ وتهمتك ايه
ــ قتل افضي اليّ موت ..
ــ واخد كام سنة .؟
ــ تهمتي قتل دفاعا عن الشرف .. والعقومة علمان
ــ بس عامان فقط ..دانت جاي فسحه علي كده .. جاي عشان تسلم علينا وتمشي طاب نام نام والصباح رباح عوزين ننام ..
ــ وهو فيه حد بيجيله نوم هنا
ــ امال هنفضلوا صحيين علي طول كده .. اه كل واحد تحت الغطاء وتلقيه صاحي ومش نايم عمال يتململ يمين وشمال ..
برهة من الوقت ينقطع فيها الصوت…في محاولة يائسة.. لتوقف عقلي عن التفكير .. افرد جسدي النهك المتعب قليلا .. اغمض عيانيا في محاولة لاستدعاء النوم .. ولكن هيهات , هيهات .. في تلك الليلة الكئيبة .. التي لا ولم ولن انساها ابداً ما حييت .. ظلت صاحي وانا في شرود .. ووجوم تام ادير كل شيء في رأسي من اوله .. واعيد ترتيب الأشياء من بدايتها .. اشعل سيجارة من عقب سيجارة اخري .. وانا في شبه غيبوبة.. عقلي يودي ويجب .. واتابع كل شيء .. واسمع انين المسجونين .. من تحت غيطانهم .. الكل صاحي وان ادعي انه نائم .. ومنهم من يوشح .. ومنهم من يقول مواويل .. اشبه بالفلكرول الشعبي .. ينعي بخته وحاله .. المكان تنبعث منه رائحة كريها .. تذيد وتخفت من حين لأخر.. الزنزانة ضيقة جدا .. ثلاث تمتار ونصف طول .. في متران عرض تقريباً .. وبها تسعت عشر فرد .. مرصوصين علي الأرض .. كما لو كانوا طوب.. أو جثث احدي الحوادث المروعة ومغطيين ..كل علي قدر حاله.. وكل جثة قد علقت فوقها حاجياته في اكياس ..أو شكارة في مسامير دقت .. من اجل هذا الغرض .. واما عن الشبابيك فهي نصف متر.. في نصف متر .. مخللة بالأسلاك والقضبان الحديدية .. تطل علي الفضاء المترامي الأطراف.. يدخل منها والليل والبرد القارض .. مع اصوات الخدمة الخلفية لسجن .. ” واحد تمام ” فيرد عليه صوت اخر ” اتنين تمام ” ويرد اخر ” ثلاثة تمام ” .. وهكذا …
استرخيت .. اغمضت عيناي .. لاستجلاب النوم من جديد .. وقبل ما استغرق في النوم .. يأتيني وجه القاضي .. وهو ينطق بالحكم …..
” حكمت المحكمة حضوريا على المتهم بالسجن عامان مع الشغل والنفاذ .. لما اسند اليه من اتهام … رفعت الجلسة ”
وجاءني وجه أبي الذي وضع راسها بين يديها.. وامي وهي تبكي علي..و..

أضف تعليقاً