اعتدت أن أكتب بعض النصوص الممنوعة على النساء.. نصوص لا يصح أن يقرأها إلا الرجال.. ليس لأنها تناقش الطابوهات ولا لأنها تحوي كلاما بذيئا.. فليس ذاك النوع من الكتابة ما يناسبني.. فأن أحب شكري لا يعني أن أقتبس معجمه.. هكذا وحدتني أكتب نصوصا للرجال معتقدا أنها تُضمر معانيا لن يفهمها إلا جنسنا الخشن.. كنت اكتبها خصيصا لنشرها بمجموعة فيسبوكية اتخذت اسم “الرجوليست”.. مجموعة من الشباب المثقف، أقصد ثقافة الحياة وليست ثقافة الكتاب والقلم.. شباب ينظرون للحياة من زاوية مختلفة ويناقشون بطريقة مختلفة بعيدا عن المجاملات وبعيدا عن العواطف.. باختصار شباب يستخدمون عقلهم قبل كل شيء آخر..
كانت المجموعة بما تحويه من منشورات تجبرني على زيارتها كل يوم لأستطلع جديد ما يحدث.. كانت تجذبني تلك المنشورات التي تمتد من الذرة واليورانيوم إلى الجبس والزليج… هناك كنت أشعر بتحرر أكبر، فأن تجد نفسك وسط عالم دون نساء هو إحساس فريد لذلك فنصوصي التي اعتدت نشرها هناك كانت تتخذ اتجاها مختلفا عما أكتبه بصفحتي أو بالمجلات والمواقع الأدبية المختصة..
إلا أن الرابع من يوليوز ذات سنة كان مختلفا.. يومها قررت أن أتوقف على نشر نصوصي تلك بالمجموعة تلك.. إحداهن تسللت وسط الرجوليست وجعلت من نفسها مذكرا.. لحظتها تحول رؤوف إلى رباب.. وتحول ذاك الوجه الرجولي بملامحه الجافة إلى وجه أنثى بملامح أميرية.. رؤوف هو رباب.. بأي منطق.. كيف لك يا رؤوف أن تكون بهذا الجمال..
– أكيد ستسألني لماذا أتسلل لمجموعة لا تحوي إلا الرجال.. سأخبرك ولكن عدني أولا ألا تحذفني..
– أستمع..
– تبدو جافا ليس كنصوصك تلك.. لكن لا بأس سأخبرك.. كل ما في الأمر أن لي صديق مقرب أخبرني أن مجموعة “رجوليست” تناقش مواضيع هامة وبطريقة مدهشة البعيدة كل البعد عن المجموعات النسائية التي أغلبها تناقش أثمنة المساحيق وكيفية معاملة الرجل في السرير، زد على ذلك التحديات الصبيانية.. صدقني عندما ولجت مجموعة الرجوليست تعلمت الكثير.. صرت أملك فكرة عن السياسة وعن الفلك وعن الفضاء وعن الكرة وعن الحب وعن الاقتصاد وعن الفلسفة… حتى الجنس تناقشونه بطريقة راقية.. أما نصوصك فكان لها تأثير غريب علي، كنت أجد فيها سحرا وكأنك في كثير منها تتحدث عني.
– لماذا أخبرتني بحقيقتك؟
– لأنه ليس بمقدورك مساعدتي وأنا رؤوف.. كان يجب أن تعرف أني رباب لتساعدني..
– أساعدك؟
– أنا رباب.. أقطن بطنجة، خريجة المعهد العالي للسياحة.. 21 سنة.. خطبني أحدهم قبل شهر.. وهنا تكمن مشكلتي..
كتبت الكثير، تحدثت عن ما أسمته مشكلة بتفصيل ممل.. ما فهمته أنها فقدت عذريتها ذات اغتصاب وهي طفلة ولا تجد وسيلة لتخبر خطيبها ولا هي أخبرت أسرتها.. تعتقد أنه لا أحد سيصدقها.. قالت أنها تتوقع أن تجد عندي حلا.. لا ادري لما لم تفكر في اقتناء عذرية جديدة، لا اعتقد أن ثمنها يتجاوز الثلاثة آلاف درهم.. كنت سأخبرها بذلك إلا أني تراجعت فليس ذاك ما تتوقعه من كاتب، قد تكون في عمقها تنظر لي كمصلح.. ثم إن أنا قلت ذلك فكان من البديهي أن تجيبني بطريقة شرقية أحفظها: ” وهل الشرف يُشترى؟ وهل الزواج المبني على الخداع سيدوم؟”..
– تحبينه ؟
– أجده زوجا مناسبا..
– تحبينه؟
– سيوفر لي الحياة التي أحلم بها..
– تحبينه؟
– مصر أنت..
– تحبينه؟
– لا أعتقد..
– أخبريه بالحقيقة.. خسرت معركتك يوم قررت الصمت وأنت طفلة عزيزتي..
صرنا نتحدث بشكل مستمر، لم نتحدث مرة ثانية عن أمر خطيبها وعذريتها بعدما أعلمتني أنها أخبرته بالحقيقة ولم يصدقها فافترقا.. كانت ترسل لي صورها باستمرار، كانت قوامها سمكيا وملامحها فيها الكثير من سمرة اللبنانيات.. شعرها المتموج القصير جدا منح وجهها الدائري لمحة براءة وكأنها طفلة في الثالثة من عمرها.. تحدثنا لستة أشهر، ثم قررت أن أركب قطارا من أجلها.. قررت أن تمنحني سبع ساعات نقضيها معا..
اتفقنا أن نلتقي عند الثامنة صباحا على واجهة الشاطئ بالقرب من محج محمد السادس.. عند السابعة صباحا كنت هناك ألامس أمواج الشاطئ.. بدا الشاطئ مبتسما سعيدا كما هي الشوارع والبنايات والأزهار الممتدة على طول الشارع.. إلا أن ملامح الناس بدت بئيسة.. طنجة كعادتها مدينة بلا هوية، أو بالأحرى مدينة لا يناسبها سكانها.. طنجة تحتاج أن يسكنها السعداء لا البؤساء..
اتخذت مقعدا غير بعيد الشاطئ وغير بعيد على المحج في انتظار رباب.. دقائق قليلة وجلس بجانبي رجل خمسيني بشارب أسود وقبعة سوداء تحميه خيوط شمس الصباح، وأيضا يحمل حقيبة ظهر زرقاء صغيرة.. ألقى علي التحية وجلس يتأمل البحر كما أنا..
– يبدو أنك غريب على طنجة..
كان هذا ما بدأ به حواره الذي تردد ثوانيا قبل أن يبدأه.
– ربما غريب.. لكني مررت من هنا كثيرا.. أحفظ تفاصيل المدينة.. كما أن طنجة تعتبر كل سكانها غرباء..
– الغرباء لا يفهمون طنجة.. لذلك فهي لا تحبهم..
– طنجة لا تحب التعساء..
– ربما أنت على حق.. وماذا عن مدينتك التي أتيت منها..
– فاس.. فاس لا تحب إلا البؤساء التعساء الواقفين على حافة الضياع..
أحسست أنه لا يستمع لما يقوله بانشغاله وحقيبته، اخرج منها قنينة ماء بدت باردة بتلك السحابة المُحدثة على جنباتها. نظراتي للقنينة أوحت له أني أحتاج للارتواء أو هذا ما توهمته حينها، لذلك وجدته يقدم لي قنينة الماء بابتسامة لا تناسب سكان طنجة:
– هل تريد أن تشرب؟
– سأكون ممتنا لك..
شربت مقدار نصف لتر وأعدت له القنينة بعدما شكرته مرتين.. أكملنا حديثنا عن فاس إلا أني فجأة أحسست بدوار خفيف وأيضا بما يشبه الغثيان.. ثم بدأت في التثاؤب المتكرر وكأني لم استيقظ قبل ساعتين فقط.. صارت عيني ترمش باستمرار وضاق نظري قبل أن أحس وكأني أهوي في بئر عميق ومظلم..
لا أتذكر ما حدث بعدها.. لكني أتذكر أني استيقظت بصداع شديد معصوب العينين ومقيد لشيء ما بمكان ما.. لم أفهم ما يحدث، بدأت أتحرك بمكاني محاولا أن أفك رباط يدي إلا أني لم أستطع.. بقيت على هذا الحال لما يقارب النصف ساعة قبل أن أحس بباب يُفتح.. واضح أنه كان باب المكان الذي أتواجد به، ثم أحسست بخطى بطيئة تتجه نحوي.. كان عطر أنثوي يرافق الخطى وهو ما تأكد لي لحظة امتدت يدان ناعمتان لتفكا عني ما عُصبت به عيناي..
كانت الرؤية صعبة لذلك فركت عيناي بكلتا يداي حتى أستطيع رؤية تلك التي تقف على بعد خطوتين أمامي..
– هدى؟؟
هدى.. كنا معا قبل سنوات، كان من المفروض أن نكمل حياتنا معا.. كانت علاقتنا قوية حتى أنها رفضت الكثير من العرسان لأنها كانت مقتنعة بأن حياتها رفقتي فقط، كمن مقتنع أيضا بذلك.. كانت ذكية وجذابة ومرحة بالقدر الذي لا يجعلني أفكر في غيرها قبل أن أُفاجأ بها ذات بوح تخبرني أنها ليست بعذراء وأنها فقدت عذريتها قبلها بسنوات نتيجة اغتصاب.. لم أصدقها، وربما لم أتقبل أن تخبرني بذلك بعد ثلاث سنوات قضينها معا.. صفعتها وغادرتها.. لم أقابلها بعد ذلك مطلقا لكني علمت من صديقتها المقربة أنها غادرت في اتجاه إيطاليا بعدما اقترنت بإيطالي مسلم تعرفت عليه عبر النت.. وبعد سنتين ها أنا أجدها تقيدني لكرسي وسط غرفة خراب..
– تتذكرني إذن أيها الكاتب.. أو دعني أقول أيها الكاذب..
– ما الحاجة لكل هذا هدى؟
– أحقا تسأل لما كل هذا؟ ألا تملك قدرا من الخجل؟
– رؤوف ثم رباب ثم اختطاف.. ماذا بعد؟ ولم كل هذا؟
– واضح أنك نسيت.. لكني لم أنس.. أتعرف لست منزعجة من حقيقة تخليك عني.. منزعجة من نفاقك، من كذبك.. منزعجة من ادعائك للانفتاح والتحرر والتقدمية.. والواقع أنك غارق في التخلف والتقليدانية والرجعية.. لم يزعجني أن ترفضني لأني لست عذراء، أزعجني أن تدعي في نصوصك أنك لا تهتم لأمر شرف تم اختصاره في غشاء..
– انتهيت..؟ ماذا الآن؟
– يجب أن تدفع ثمن أذيتي..
– ماذا تنوين فعله..؟
– ستعلم غدا..
قالت ذلك وشرارة غضب تملأ عينيها.. غادرت دون أن تعيد تعصيب عيناي، أغلقت الباب بغضب من خلفها.. حاولت بمجرد ما غادرت أن أصل لهاتفي بجيب البنطلون بعدما أحسست أنه ما يزال هناك إلا أني لم أستطع الوصول إليه، فقد كنت مقيدا بطريقة محكمة..
شرارة الغضب في عينيها أرعبتني لذلك كنت ملزما بإيجاد مخرج ما.. استغرقت في التفكير وفي تأمل المكان للحظات فأدركت أنه لا مخرج لي إلا بتحرير يداي أولا.. وهو ما تمكنت منه بعد ساعة زمن من المحاولة وإعادة المحاولة.. غير أني عرضت يدي لكثير من الجروح نتيجة احتكاكها بالحبل الذي قيدت به.. الأمر الذي صعَّب علي فك قدما لكني قاومت إلى أن حررت نفسي بالكامل.. جربت بعدها فتح الباب إلا أنه كان مغلقا بإحكام.. حظي الجيد أنه كان بالغرفة نافذة منحنية تسعني للانسلال بجسدي النحيف نسبيا حينها.. ألقيت نظرة من النافذة، كانت الشمس على وشك الغروب، نظرت يمنة ويسرة فبدا لي المكان وكأننا في زاوية منعزلة من العالم.. حقول شاسعة لا نهاية لها.. الأهم أن المكان بدا فارغا إلا مني.. زحفت بجسدي عبر النافذة إلى أ، وجدت نفسي خارج الغرفة.. سحبت حينها هاتفي إلا أنه كان يحتاج ليشحن فما وجدت من حل إلى أن أركض في اتجاه غروب الشمس..
ركضت لنصف ساعة تقريبا قبل أن أعثر على طريق فرعي.. تبعته حتى أوصلني لطريق رئيسي.. علمت من خلال علاماته المرورية أني أبعد عن مدينة شفشاون مسافة 40 كلومترا.. حاولت بعدها أن أجد وسيلة نقل تقلني لشفشاون وهو ما أُتيح لي بعد أن توقف لي صاحب شاحنة لنقل البضائع.. من شفشاون أخذت حافلة الحادية عشرة ليلا نحو فاس.. واضح أنه لا هدى ولا من ساعدوها قد اقتربوا من جيوبي، فالخمسمائة درهم كانت ماتزال كما هي في الجيب الخلفي للبنطلون، وأيضا مفاتيحي في مكانها..
السابعة صباحا كنت أدير مفاتيحي في باب المنزل بفاس، كان أول ما فعلته أن شحنت هاتفي ورقنت رسالة لرؤوف أو لرباب أو لهدى:
– سنلتقي قريبا.. صدقيني سنلتقي..

أضف تعليقاً