بهدوءٍ تنسلّ أشعّة الشمس من خلال الثّقوب المتناثرة بذلك الجدار المتصدّع إثر القذائف التي تهاوت طوال الليل, كلّ شيءٍ يشير إلى أنّ الموت كان يمرح هنا, أزيز الطّائرات ما يزال صداه يضجّ في مسمعي, الأشياء المتراكمة من حولي تبحث عن أجزائها المفقودة بين أشلاء الضحايا.
ثمّة أنينٌ بالقرب، كنت أسمعه طيلة الليل, مع بزوغ الصّباح طوى أوراقه بإغفاءة صمت.
رائحة الشّواء البشريّ, وأتربة الدّخان المتصاعد تزكم أنفاسي, وبقايا حطامٍ تثقل كاهلي.
رويداَ رويداً, ينقشع غبار دمار البارحة, ونجدّد العهد بيومٍ آخر للحياة, في سلسلة ليالِ لم يعد فيها البقاء للأقوى, بل لم نعد نحيا لأجل البقاء.
فمنذ أن اندلع الصّراع, وتعدّدت القوى, وكلٌّ منّا يدّعي الحقّ تارةً باسم الدين, وأخرى باسم الديموقراطية, وتحت مسميات أُخر, ننتصر لأحزابنا, وتجرفنا تيّاراتنا, وتسيّرنا فتاوى ما نطق بها إنجيلٌ ولا قرآن.
لم نعد نعلم لماذا نقتتل, أو على ماذا نقاتل. أو حتّى إلى متى.
أشعّة الشّمس تسلّط الضّوء على جباهنا المغبرّة, فتعكس خيباتنا عن دمىً بلهاء.
نهضت أتحسّس مواضع جسدي بينما عيناي تجوبان المكان, ويلتقطان صور أشلاءٍ تناثرت هنا وهناك, بعضٌ منها كان يحمي ظهري, والبعض كان يصوّب فوّهة بندقيّته في وجهي, في قتالِ دامِ بين الأزقّة, وخلف أسوار المدارس, وعبر حجراتٍ خاويةٍ, قبل أن تعصف بالمكان نيران طائراتٍ مجهولةٍ, علمتُ لاحقاً أنّها كانت نيراناً صديقة.
.. وبينما أنا كذلك, وعلى بُعد أمتارٍ قليلةٍ, التقينا وجهاً لوجهٍ.
يا إلهي… تلك الملامح أعرفها جيّدا، العينان ذاتهما, الشّعر المُسَرّح, البشرة السمراء, الابتسامة الودودة, كلّ شيءٍ فيه لم يتغيّر, سوى بضع بياضٍ كسى لحيته.
إنّه “سالم بيك”، كما كان يحلو لنا مناداته, عدتُ بذاكرتي بعيداَ… حين كانت أمّي تقف قرب التّنّور مؤتزرة عباءتها السّوداء، تقطف الخبز الحارّ, ونستبق أنا وسالم لنقتسم الرّغيف, ونأكله بنهمٍ, وهو يتباهى قائلا: “سأحكم يوماً هذه البلاد, وستكون وزيري الأوّل, وسأجعل من أمّي- يقصد أمّي أنا, كما اعتاد أن يناديها – سيّدة القصر, وحينها سنأكل الخبز اللبنانيّ فقط”.
نظرت في عينيه مليّاَ, يحملان تلك النظرة, حين كنّا نبحث في قائمة نتائج القبول في كليّة الهندسة, حيث تمّ قبولنا معا… أووووه, كم تمنّيت أن أحضنك كما حضنتك ذاك الصباح.
هاأنذا ألمح في عينيه انكساراً, أعاد إلى ذاكرتي تلك اللحظة التي وقفت مودّعا إيّاه, وهو يقول: ” يا صديقي… لم تعُد الحياة تطاق في هذا البلد, سيأتي يومٌ نلتقي من جديد, ونبنيه بدمائنا”, وقد اغرورقت عيناه حيث دلف بجسده الخائر إلى وسط الباخرة.
التفتّ يميناً ويساراً, وحيث المقهى المدمّر بالقرب, رغبت أن أدعوه لنجلس سويّةً كما كنّا قبل خمسة عشر عاماً, فقد رأيت شفتيه يتمتمان كأنّه يسألني: ” أيهّا المشاكس… أين حلّت بك النّوى!!؟، أيّهن استطاعت ترويض جماحك, نادية؟ سحاب؟… شمسٌ أو هدى؟, أراد أن يسألني عن أمّي… عن جارنا النجّار… عن كتاباتي وقصصي و و و…..
لحظة صمتٍ طويلٍة بمقدار حياة, جمعتنا بعد غيابٍ طويل.
على حين غرّة, هبّت ريح هائجة, تمرجح على أثرها, رفع يديه المرتجفتين نحوي, ورفعت بندقيّتي… فأفرغت رصاصاتي في صدره.
- الانكسار
- التعليقات