ينتعل حذائه المغبر بذكريات ثلاثين عاما من التعليم بمدارس الحكومة …أراه كل يوم بالباص كعادته يحمل محفظته وسلة الخبز ويلبس قبعة تشعرك أنه لا ينتمي لهذا المكان ,لا يظهر منها إلا البياض الذي يغزو شعر رأسه …
لا يجلس بالباص أبدا, يضع محفظته بين رجليه ويشخص ببصره بعيدا عبر نافدة الباص وتحمل يمناه الخبز …ربما لأن سنواته أشعرته أن الخبز لا يجب أن يوضع أرضا على نقيض المحفظة .
وبالمقدمة تجلس الفتاة العشرينية فاتن ,مختالة بشعرها الأملس وتسريحته التي تغييرها كل يوم ,تحمل هاتفها الذكي بيدها وتتمنى أن تزعجها عيوننا المتعبة .
أما عمتي فاطمة فتلعب مع حفيدها ,ربما لينسيها أن ابنها أخذته امرأة أخرى .وبمؤخرة الباص يجلس الشاب مراد يتصنع الوقار ,ويطير بأحلامه وبفتاته التي لم يلتقي بها بعد, يمارس عادة الكتابة والكآبة معا ولكنه بارع في امتلاك القلوب ,وبعض إزعاج من اليافع شوقي وصديقه الآخر يتهامسان ربما بسيرة فاتن أو تذكرا مزاحهما ,يشعران أنهما مظلومان رغم سنهما الصغير ككل أبناء جيلهم الذي أورث جينات تشعره أن حقوقهم ذهبت مع نشرة الثامنة .
يتوقف الباص بالمحطة ,تنزل فاتن بعد أن تسرق نظرة من مراد .تصعد زمرة من أطفال المدارس كلٌ يحمل ثمن تذكرته بيده ليسلمها مبكرا و كأنهم يشعروننا انه لكل شيء ثمن قبلي وعاقبة بعدية. ينزعج المعلم من اقتحامهم خلوته ويشد شفته بطرف أسنانه وكأنه يزدري جيلا كاملا لا ينتمي لعالمه .ويصعد كذالك الشاب عمر,تظهر آثار الوشم بيسراه ,فقد كان عاشقا لمفردات الحياة واستباح عذريتها ,فأدخلته السجن ثلاث سنين من عمره فخرج مختالا بدوره المجتمعي الذي يسكن العباد حيز الخوف .يفسح الصبيان له المكان إلا واحدا منهم .لا ينتبه الشاب مراد لكل هاته السمفونية التي تعزف أمامه .أما أنا فمحصل التذاكر اعمل بالباص وأكتب عن هموم الناس بمذكرة لا أود أن اخبر زوجتي العادية عنها .اقتحم خلوة الشاب مراد فيدفع الثمن بلامبالاة بي, بعنوة آخذ الثمن من عمار لآني لا أخافه لأنه طيب ألبسناه ثوبا آخر .وألاعب حفيد خالتي فاطمة وتتباهى أمامي انه ابن ولدها ,ولا أتكلم مع المعلم لأنه سيأتي بها عند اقتراب منزله ,وفي الأخير عندما ينزل الركاب وبعدما أيقظت شوقي وصديقه ,أتشاجر مع السائق كعادتي .وانتظر يوما آخر يشعرني أنني مازلت أستطيع الكتابة .
- الباص
- التعليقات