على غير عادتهما لم يكن النوم هو الذي يجافيه هذه الليلة فأمسك هو بزمام المبادرة للمرَّة الأولى وقرر مقاومته، أطفأ جميع أنوارالشقة وجلس على المقعد الوثير في ركن الرُّدهة مادَّا ساقيه على امتدادهما ملقياً برأس مثقل بالهموم إلى الخلف مستنداً إلى قمة ظهر المقعد محملقاً بعينين دامعتين في لا شيء في سقفه المظلم.
غريب أمره هذة الليلة وعجيبة هي أفكاره! لماذا وردت بخاطره الآن والآن فقط وبهذا الإلحاح الشديد فكرة محاسبة نفسه على تقصيرها تجاه نفسه. ما هذا؟! هل هو ضرب من الجنون؟! ربما. وربما هو الجنون ذاته.
راحت سياط العذاب التي لا ترحم تجلد الذات لتجرحها وتدميها وتؤلمها كأشد ما يكون الألم. أهو مجرم؟…نعم. أظالم هو؟…حقاً. يعترف بأنه مقصر بالفعل في حق نفسه منذ ان وعي للدنيا وحتى يومه هذا. سأل نفسه متهكماً ومتحسراً ماذا فعل من أجل نفسه طوال حياته؟ أجاب بأنه عاش حياته طولاً وعرضاً تاركاً نفسه لقدره المحتوم. عاود السؤال: وماذا أضفت من عندك من أجل نفسك؟ وهل هناك ما يضاف على قدري المحتوم؟!.
تذكر الاخرين من البشر وماذا يفعلون من أجل انفسهم. سقط في دوَّامة البحث عما إذا كان الإنسان مُسيَّراً أم مُخيَّراً. اجتهد قادحاً ذهنه في البحث عن معيار لقياس مقدار ما يفعله الناس من أجل أنفسهم. تساءل عن الغرض الأسمى لما يفعلون؟ هل هو الدنيا بمتاعها الغرور أم الآخرة بنعيمها اللا محدود؟ طبق أفكاره المُحيرة هذه على نفسه فغرق في خضم لا قرار له.
شرد كثيراً وراء أفكاره المضطربة تشاركه دموع الحيرة والقلق وتأنيب الضمير. وقف طويلاً أمام محكمة الضمير متهماً لا يجد من يدافع عنه مكبلاً بقيوده القاسية. صنع من نفسه الجاني والقاضي والجلاد ففشل فيها جميعاً. ثاب إلى رشده لحظة ان تسللت أشعة شمس الصباح لتسقط على وجهه المريض المُجْهَد.

أضف تعليقاً