على كرسيه الأثير، والذي لا يجرؤ أحد على الجلوس عليه، طالما كان هو موجودا في محكمة المدينة، يجلس الأستاذ صبحي، ممسكا بجريدته الصباحية المفضلة، يطالع صفحاتها في هدوء، يرد باقتضاب بين الحين والآخر على تحايا زملائه المحامين، ثم ينادي فجأة بصوته الجهوري:
— كوب شاي مصري يا شفيق
وسرعان ما يأتي شفيق، عامل النقابة القصير النحيف مسرعا، حاملا بين يديه، صينية عليها كوب صغير من الشاي.
كان الأستاذ صبحي من كبار المحامين، ومن أثراهم، لم يكن ثراؤه راجعا لدخله من المهنة بل من ميراث آل إليه من أبيه، وكان يؤثر العزلة في غالب الأحيان، وكان المحامون يتجنبون الحديث معه، ما لم يبادرهم هو إليه.
تدخل شيماء تلك الطفلة النحيفة العود ممزقة الثياب والتي تشي ملامحها بفقر شديد، وكانت قد اعتادت أن تأتي لاستراحة المحامين كل يوم تقريبا، تتلقى منهم ما يجودون به عليها من قروش قليلة، ولم يعرها الأستاذ صبحي أي اهتمام، وكعادتها لم تأبه لوجوده ، فلم يعطها أبدا من قبل، وتجوب على بقية المحامين وتشاركهم غمزاتهم ولمزاتهم وتندرهم خفية على الأستاذ صبحي وشح يده المشهور.
وفي الخميس والأستاذ صبحي موجودا كعادته في مكانه، تدخل شيماء، وتبتسم للأستاذ صبحي ابتسامة ذات معنى قبل أن تبدأ جولتها اليومية على المحامين، وعينا الأستاذ صبحي تراقبها بحذر في ذلك اليوم.
تنتهي شيماء من جولتها وتخرج من باب المحكمة، بعد قليل يخرج الأستاذ صبحي خلفها، وعيناه تتبعان خطواتها التي بدت مرتبكة وهي تنظر للخلف بين الحين والآخر، يلحق بها الأستاذ صبحي ويسبقها، وتبدأ هي في تتبع خطاه.
يصل الأستاذ صبحي إلى محل للدجاج اعتاد التعامل معه، ويهب صاحبه مرحبا به، ويقول له الأستاذ صبحي:
— أهلا يا معلم كمال، اختر من فضلك أكبر دجاجتين عندك واذبحهما ونظفهما.
ويسرع المعلم كمال، ملبيا طلب أفضل زبائنه، ويضع الدجاجتين في كيس نظيف، ويعطيهما للأستاذ صبحي، الذي ينقده ثمنهما، ويخرج من المحل ويعطيهما لشيماء التي كانت تنتظره، ويقول لها:
–هيا يا بنيتي اذهبي لمنزلكما، واعطيهما لأمك لتعدهما لكم على الغذاء.
فتأخذهما منه الطفلة وتمضي ويعود هو إلى المحكمة،من غير أن يلاحظ عينا الطفلة التي وقفت تراقبه.
كان الأستاذ صبحي سعيدا بما فعله، فهو لم يكن يعطيها نقودا لأنه يعلم أن أباها مدمن للمخدرات يأخذ كل ما تحصل عليه تلك المسكينة.
تراقب عينا شيماء الأستاذ صبحي حتى يختفي، ثم تسرع إلى محل الدجاج وتعيد الدجاجتين للمعلم كمال، الذي يعطيها نصف ما دفع الأستاذ صبحي وهما فرحان بتلك الصفقة الرابحة.
- البخيل
- التعليقات