مازالت تجلس أمام موقد الجمر المتورد على خديها تنظم الأشعار لفنجان القهوة المعطرة؛ قالت لي حين كنت أستعد للخروج وأنا أشدّ أطراف المعطف:
ــ سأحيك لك برنوسًا هذا الشتاء!
الفجر ذو اللسعات الباردة أوحى لأمي أنّ عظامي مازالت فَتية يهاجمها البرد المتوحش و يُوغل فيها ، و أنا لم أعُدْ طفلًا يُغريه اتساع دوائر الماء و نقيق الضفادع طوال المساء في البركة المطحلبة ، لكنّها ــ أمي ــ طائر أخضر يجوب خلجاتي و يرفرف في صدري؛ يمسح عن القلب رعب السنوات الموحشات:
ــ لم تعد البرانيس لباس هذا الزمان يا أماه!
ولأنّ أمي فضاء قصيدة لم يدخله كل الشعراء تراقصت خيوط الشِّعر المغزولة من ندى الصباحات ، و شفق المساءات؛ قالت أمي البهية كالصبح القادم في شراشف الحرير السماوي:
ــ البرانيس للرجال القادمين!
كانت خطواتي إليها وصيةً من الحب في قهوة أمي المعطرة لذلك سألتها حين التقينا:
ــ هل تحسنين حياكة البرانيس!
أعترف أنّ السؤال مفاجئ و غير منطقي، و لكنّ الأشياء الجميلة كلها تجيئ مفاجئة، والمرأة الجميلة هي التي تحسن حياكة البرانيس! لكنّها لم تجب، فالشراع على اليابسة نهبٌ للريح السموم ، و أنا لم أكن عاشقًا تقليديا يستهويه (شَعر مجنون يسافر في كل الدنيا )و ما عاد القُمري على أسقف القرميد يشجيني.
… ابتسمتْ و ذهبت ْ هناك لتحتمي من وهج السؤال بشجرة عارية.
أمي تغزلالآن خيوط الصوف أمام الموقد و أنا أتابع الخيوط الملولبة فتبدو كل الأشياء الأخرى بدائية، لكنّ أمي تجمعها في لحظة عطاء لها نكهة الأغنيات أمام جمر الموقد الذي لا يخب، وأنفاسها ــ أمي ــ تلفحه و تبعث فيه دفء الحياة.
كنت سأسأل عن البرنوس الذي تعدّ أمي صوفه ،لولا أنها قالت:
ــ هو ليس لك! فما عادت البرانيس لباس هذا الزمان!
ضاعت الكلمات من الطفل الذي كان يستهويه اتساع دوائر الماء، ونقيق الضفادع في البركة المطحلبة،و ضاعت منه فواصل الأزمنة لتصبح المسافة بينها تمويه لخطوة أقصر من ارتباكه الطفولي أمام أسوار الخيبة في عينيها، ثم رأيت صور الرجال القادمين في اِلتماعة الموقد يخوضون البحر بجيادهم المطهمة عليهم برانيسهم البيضاء الناصعة ، فسقطت من عيني دمعتان:
ــ ألستُ منهم يا أماه!؟
قالت: ــ لست منهم ، لكن الشتاء القادم سيكون دافئا .
… لكنّها أمي فضاء قصيدة لم يدخله كل الشعراء .!
- البرانيس للرجال القادمين
- التعليقات