..شعرتُ بالفرح وأنا أسير تحت المطر، كي أعيد البغل إلى الدار وأدخله مربطه الدافء؛ وسمعتُ البوط الجديد في قدمي يرحب بطفولةِ وحلٍ صار ينمو مع استمرار القطرات في التتابع والنزول رواءاً مشتهى في نفس تراب لاكته شمس صيف حار حتى جف ولو من قطرة ندى.. بل ورفعتُ وجهي إلى الغيم ليمسحه من غبار ريح الخريف، وتركتُ القطرات تنساب بين أخاديد من تجاعيده كدموع الفرح، وسرتُ منتشيا متحمسا أوزع الخطوات من بوط واثق بقدرته على عناق الوحل.! لقد اكتملت فرحتي أخيرا، وجاء الغيم الذي تأخر قليلا، ونصب خيمته فوق الأرض، ففاحت رائحة خصوبة التراب، وقال: هات محراثك واحرثه..وكنتُ جاهزا لا أنتظر سوى إشارة من يد الغيم العظيم، بعد أن استبدلتُ البغل السابق، الذي كان جلده رقيقا لايصمد طويلا أمام خشونة حبال الجر فيتقشر ويبرز اللحم ويصبح البغل الذي كان طيعا صعب المراس، استبدلته بآخر أرجو أن يكون أفضل وأقدر. وفي ظني أني نجحتُ في الإحتياط من امكانية أن يخدعني ويغشني أولئك التجار المتجولون الذين يطوفون على القرى والدواوير بقافلة من البغال والحمير. رغم أنهم وكعادتهم ظلوا لأكثر من شهرين وهم يذهبون ويعودون كل مرة جديدة ببغل جديد لأجربه بعد أن اشتروا مني البغل السابق. لكني كنت حذرا بمايكفي، وهذا ليس زمن الثقة، ولم امنحهم في البداية إلا نصف المبلغ والباقي بعد أن يعجبني البغل، فجعلتهم يرضخون مرغمين، ويجلبون في الأخير ذاك البغل الذي كنت ذاهبا لإرجاعه الى مربطه بعد أن قطع المطر حبل استمرار رعيه، بعد تمطيط وتأخير ولف ودوران وزيادة متواترة في السعر مع أي بغل جديد يسوقونه لأجربه. ولم امنحهم الباقي من السعر ،الذي تجاوز ثمن بغلي السابق،إلا بعد أن أيقنتُ أنه طيع سلس سهل المراس لايجفل ويمكن للصغار أن يسخروا ظهره، فلم يغب عن بالي قط انهم يمكن أن يبيعوك بغلا سلسا سهلا لتفاجأ في الغد بالركلات تتطاير من حذواته بلاحساب ولتعرف في الأخير ان البغل المسكين كان مخمورا وكم من قناني الخمر أفرغتْ في جوف البغال.! لهذا لم أطمإن إلا بعد ان اختبرته في السخرة والحرث لأيام متواصلة. بعدها لم يكن أمامي من خيار سوى دفع ماتبقى من السعر والإستعداد للحرث ككل عام. كما استطعتُ أن أُخرِسَ فم زوجتي التي ظلت تجتر في أذني، طيلة تلك المدة في انتظار البغل المشتهى:
– ألَمْ أقل لكَ بعِ البغل في السوق ومنه اشتري آخر. لكن أذنك العنيدة صماء تجاهي.! فخُذْ جزاءكَ، ودعهم يضحكون عليك ويجلبون لك في كل مرة بغلا أسوأ من سابقه.!!
لكنها أغلقتْ فمها الأخرق الأهوج في النهاية، ورضيتْ بالبغل الأخير.. فأنا أيضا أعرف السوق، لكنها لاتعرف أنه يمكن ان تشتري منه بغلا غير صالح، وتجد نفسكَ في الأخير كمن ركله بغل لايستطيع أن يرد له الركلة بمثيلتها.! لذلك كنتُ أسير تحت المطر فرحا منتشيا بالإنتصار، أستمتع بالبوط الجديد في قدمي وهو يفتض عذرية الوحل، وأشد قبضتي متوعدا محراثا ينتظر.. لكني تفاجأتُ لما اقتربتُ من البغل المربوط في حقل يعيش هشيمُ بقايا حصاده رمقَه الأخير قبل ان يدفنه المحراث في التراب سمادا موعودا. لم أصدق عيني في البداية، واقتربت منه مسرعا قلقا، غير مدرك كيف صار البغل الأسود الذي ربطته في الصباح أبيضا، ومتوجسا من إمكانية أن يكون شخص ما أخذ بغلي وربط الآخر مكانه.؟ كان البغل الأسود هو نفسه وقد صار أبيضا، مربوطا في الحبل نفسه الذي عقدتُه بيدي..وقفتُ مصعوقا أمام حقيقة بقايا طلاء أسود ملتصق ببعض من أجزاء جسده، فمسحته وانمسح..! أيقنتُ أن الملاعين باعوني البغل نفسه الذي سبق واشتروه مني بعد أن صبغوه باللون الأسود.! رفعتُ رأسي إلى السماء، بدا لي المطر قطرات من خجل غزير، وأحسستُ وكأن الغيم قد تواطء معهم، وإلا لِما تأخر حتى الآن ولم يأت حينها ليفضحهم.؟ وسمعتُ قهقهة شامتة، فرأيتُ فمَ زوجتي ينفتح كمتاهة، وعصف بي دوار شديد.!.
- البغل الموعود
- التعليقات