قال لها و هى ما زالت جالسة على سجادة الصلاة تختم صلاتها : سوف ننتقل غدا إلى منزلك الجديد يا أمى .
نظرت إليه مبتسمة ، ثم واصلت تسبيحها ، رفعت يديها إلى السماء تدعو فى سرها ، ثم مسحت بيديها على وجهها حامدة الله ، و قامت فى تؤدة و جلست بجوار ابنها و هى تبتسم دون أن تتكلم .
يا أمى لم لا تردين ؟
قالت و مازالت الابتسامة لا تفارق محياها : كيف اترك أباك و أمشى .
( يكظم غيظه) يا أمى.. يا أمى ..يا أمى أبى مات .
نظرت إليه و عيناها تدور فى المكان:
هل تعلم كم عدد أحجار هذا البيت ؟! لقد حملت هذه الاحجار على رأسى حجرا حجرا، أتعرف ماذا كان يفعل والدك فى كل مرة أحمل فيها الحجارة ؟ كان يقبل رأسى قبل أن أحملها و بعد أن أضعها.
صمتت و مازالت عيناها تدور فى المكان و أخذت تشير بإصبعها و لا تتكلم .
ظل يتابع قسمات وجهها الهادئة و هى تدور بعينيها فى المكان و السعادة تخرج من وجهها : أتعرف كيف ادخلنى أبوك البيت ؟! ( ثم اتسعت ابتسامتها ) لقد حملنى على كتفه كطفل صغير و دار. بى فى كل أرجاء البيت ….. أتعرف ؟ لقد ولدت أنت فى هذه الغرفة ، و أخوك و أختك ولدا فى الغرفة الشتوية ، كنت أنت الكبير ، كان سعيدا بك ، لقد حملت فيك بعد أن انتقلنا هنا ، كنا أول الناس الذين يسكنون هنا ، و كنت أنت أول طفل يولد هنا ، كان أبوك يحضر إليك الفاكهة و يدعك تأكل منها حتى تشبع ، ثم نأكل ما عبثت به و لم تأكله ، كان يحملك و يدور بك فى كل مكان .
يحاول قبض غيظه : يا أمى انتقلى معى و تعالى زورى البيت كلما شئت.
ابتسمت : و أترك أباك و إخوتك و أتركك.
يا أمى … أنا معك و إخوتى أيضا.
قالت له وهى تبتسم ، إن أباك معى و أنت و إخوتك أيضا ، هل تعتقد أنى لا أعلم أن أباك مات ، إنه معى دائما، لقد قبل رأسى بعدد أحجار البيت ، ( اتسعت ابتسامتها اكثر ) إن كل حجر منهم يساوى قبلتين ، هل رأيت هذا الثمن من قبل ؟
وقف فى هدوء و قبل يديها و رأسها و قال لها : إنى قادم غدا لأصحبك إلى بيتك الجديد .
و بدأ ينصرف ناحية الباب .
نادت عليه ، فعاد مسرعا و قد جلس عند رجليها .
سأريك شيئا لم تره من قبل. .
قامت و اتجهت إلى خزانة ملابسها ، و أخرجت حقيبة يد صغيرة قديمة ، و قامت بفتحها ، ثم قالت له : أنظر إلى هذه البقايا ،….. هذا التراب قمت بجمعه من البيت بعد وفاة والدك ، هذا التراب فيه من قدم والدك ….، من الأماكن التى كان يمشى فيها…… و يجلس فيها …..، و ينام فيها ، أنثرها على الأرض كل مدة اتحسسها و اشمها ، ثم اجمعها و أضعها فى الصرة ثم فى الحقيبة ، ……هذا البيت ليس بيتا ،…. أنه حياة ، عشتها معه و معكم بحلوها و مرها .
نظر إليها و هو يبتسم : أمى سوف أتى غدا لأصحبك.
نظرت إليه و هى تبتسم و لم تتكلم.
فى اليوم الثانى جاء و دخل عليها و هى تصلى ، انتظر حتى أنهت صلاتها ، و قال لها : هيا يا أمى كى نذهب .
نظرت إليه وهى تبتسم ولم تتكلم .
أخذ يفتح خزانة ملابسها ، و يضعها فى حقيبة كبيرة و هى تتابعه و تبتسم ، و تنظر داخل الخزانة إلى حقيبة بقايا.
جمع الملابس كلها ، تاركا البقايا التى تعلقت عيناها بها ثم قال : سوف أذهب لأضع الأشياء بالسيارة و أعود لأصحبك .
حمل الحقيبة و خرج ، و بعد قليل عاد ، و جدها عند الخزانة تحتضن البقايا بشدة.
وجد عينيها تنظر الية دون حراك ، و البسمة لا تزال فى شفتيها ، ضمها إلى صدره بشدة و هو يقول: سامحينى يا أمى .

أضف تعليقاً