يكثر الحديث في السرد عن النص التحتي.. ما هو؟ هل هو نص حقيقي أن أنه نص إفتراضي؟ ما قيمته؟ ما درجة حضوره في النص الظاهر؟ هل فهمنا دوره؟ هل يكتبه الراوي؟ أم أنه يكتب نفسه؟ أم أنه يتخلق حين الكتابة كائنا تحتيا يعيش في ظل النص الظاهر؟ وحين ندركه هل ندرك أن المعنى ينشأ منه وعنه؟ ثم أخيرا هل النأويل أولا والمعنى ثانيا أم العكس؟؟.
إن المعنى كما يُفهم اليوم ليس معطى حرفياً يحمله النص، وإنّما صورة تُشكّل أثناء التقاء النص بالقارئ، فلا تكون بالضرورة شيئاً يحمله النّص، بل يشارك في بنائه فقط، ومن هنا غدا التأويل عملية “حفر” في البناء القائم لهدمه وبلوغ النّص التّحتي الذي تشكّله الفراغات وتملأ آفاقه. والفراغ الذي كان يرتطم به الناقد القديم وينزعج منه. أضحى بنية نموذجية في التأويل الحديث لأنّه ديناميكية. تضاف إلى النص، فتساعده على خلق شيء آخر غيره، أو ما يمكن تسميته اليوم بنّص القارئ. إلاّ أنّ هذا الأخير لا يمكن التّسليم به باعتباره معطى قارا، بل لا بد من الاحتراز إزاءه، لأنّه سرعان ما يتحوّل إلى نّص آخر، إذا غيّرت الذات القارئة نمط القراءة ونسقها، ووضعيتها، وزمنها. لأنّ الشرح والتفسير إنّما هما تحجيم لمعنى قائم في النّص من خلال حرفيته، أمّا بناء المعنى -بحسب ما يقتضيه فعل المشاركة- فهو خلق، قد يلامس النّص، ويتوافق معه، وقد يشتطّ بعيداً عنه ما دام كلّ مكتوب ليس مقصوداً لذاته. إذ باستطاعة النّص أن يعرض صورة عادية جداً لمظهر من مظاهر الحياة، ولا يحمل أدنى إشارة نقدية لجذورها المفضية إليها، ولا إلى المنظومات التي ساعدت على خلقها، ويكون النص سرداً وصفياً لا غير بريئاً من تهمة الإثارة أو التحريض، ولكن بمجرد حفر بناه تتكشف الثورة، والنقد، والاتهامات، وتتشابك الوضعيات، فإذا النّص يضجّ بالحرارة بعدما كان هادئاً وبالنقد بعدما كان مسالماً.
فإذا قرأنا -على سبيل المثال- نص “برنارد لالان”(.) “لابد من كسب العيش” والذي يصف فيه “دونيز” التي بدأت حياتها العملية سنة 1975 في وسط يعشش فيه الرّوتين: لقد ساقها نظام الدراسة إلى الباكالوريا قسراً ففشلت مرتين وكرّرت ثلاثة أقسام، ثم جاء التكوين، ثمّ الشغل… أدركنا حقيقة ما وراء النص، أو ما أسماه “إيزر” بالنّص التّحتي…
“أفعل هذا سائر الوقت… ليست لي رغبة في الصعود… هكذا يروق لي… لماذا؟ صمت… إنّه عمل بسيط لا نحتاج كثيراً للتفكير، ولهذا السبب عندما أكون وحيدة أشَغِّل المذياع، ولا أفكر أبداً.. الحادية عشر ليلاً… تضغط “دونيز” على زر وتوقف صخب المُنوعات، وتنام من دون أحلام، ستعود في الساعة السابعة صباحاً إلى ثقب بطاقات الضمان العائلي.. في حدود الشهر المقبل تبلغ “دونيز” الثانية والعشرين من عمرها… ماهية 1600 فرنك الشهرية تسدّد لها الغرفة، والطعام، والباقي يذهب لبرامج التوفير من أجل السكن… خجولة… منطوية، تطل حديقتها السريّة على صحراء.. تعلن وكأنها تعترف: لم أقرأ شيئاً منذ أربعة سنين.. لا شيء يهمني.. لم ألتق بأحد.. نعم هذا محزن.. لكن قليلاً، لا.. لا أشعر بالضجر…”
يبدو النّص على بساطته، لا يثير شيئاً ذا بال. اللَّهم إلاّ وصف حالة عادية، من بين جملة من الحالات، ربّما تكون أكثر تعقيداً وإشكالية، وذلك ما يحمله النّص في مستواه الخطي القار. وكلّ شرح، أو تفسير، لن يضيف إليه جديداً، بل سيعريّ.. بساطته، ويجعله لا يرقى إلى أسباب الفن ومعاييره، ما دامت هناك نصوص تتناول ظاهرة الروتين بعمق أكثر، ولكن الملفت حقاً في الفعل التأويلي -كما تسعى القراءة إرساءه- لا يبحث عن المعنى في النّص، بل يتوخاه في الموقع الافتراضي الذي يرسم نقطة تقاطع النص والقارئ، ويتولد فيها كذلك النص الجديد.
إن نصّ “برنارد لالان”:
– لا يتّهم المنظومة التعليمية.
– لا يناقش نظام الشغل والتشغيل.
– لا ينتقد طبيعة المجتمع الذي تحيا فيه دونيز.
– لا يلتفت إلى الأسرة وأدوارها.
– لا يتأسف لحالة شخصية.
– لا يرثي لوضعية اجتماعية.
– لا يتهم أحداً.
– لا يحرض على ثورة.(.)
إن جملة هذه الملاحظات تفرض علينا الاعتقاد بأن المعنى، لا بد وأن يكون خارج النّص فيما أسماه النقد الحديث “باللاّمقول”، الذي يفرض علينا اعتبار النّص الجديد علامة دالة إما سلباً أو إيجاباً، يتحاماها التأويل لسد فراغهما، وإنشاء النص الجديد على أنقاضها. عندها سندرك أن نصّ “برنارد لالان” يتهم المنظومة التعليمية: من خلال الحالة التي آلت إليها دونيز، ومن عزوفها على القراءة كلّ هذه المدّة، ويتهم نظام الشغل الذي سلبها فاعلية التفكير، وأحالها إلى آلة خالية من كل حياة، ويفضح نظام العزوبة، وكأن العمل بالنسبة “لدونيز” هو توفير مسكن لأيامها الأخيرة خوفاً من أن يرمى بها في الشارع… إنّه يتهم نظام الحياة كما هو سائد في المجتمع الفرنسي، وتلاشي الأسرة، وانعزال الناس في شقق يأوون إليها ليلاً، لا تعمرها إلا الوحدة، ولا يسكنها إلاّ الوهم، والضجر.. حتى الضجر لم يعد له طعمه الذي كان.. فقد أضحى شيئاً مألوفاً.. لازمة من لوازم الغرفة.. وأخيراً إنّ النصّ يتّهم كل الناس: الساسة، المفكرون، المربون ويحرّض كل الناس على الثورة…