سعفة النخيل، حالت دون النظر اليها، غيبت الساعات الأولى للفجر ملامح وجه أبنوسي وقامة مهرة، مرت وكأنها تبتلع المكان و الدروب من شدة حياءها، أفسحت لها.
في هذه الساعة و في كل يوم، يخطفني خيالها. لم أتبين الى حد الأن تضاريس وجهها. سألت عنها، فلم أجد جوابا، هل هي مجرد خيال، يعشش في داخلي، تشبه الملاك وهي تجرجر أذيالها في ساعات الفجيرة.
ـ مالك يا عبد الله ؟!
أول مرة يصبح لـ” العنزي المجنون” صوت العقلاء، حاولت النظر بعيدا عنه. أمسكني بعنف، ثم راح يسألني و قبضة يده تعلو فوق رأسي:ـ
ـ ماذا تريد منها؟!
دفعت به الى الأرض، نفر الدم من جبهتي، عدت الى البيت و أنا مستاء. أنا متغيب عن العمل منذ أيام
لا أنام الا دقائق و أصحو الفجر وأنا أمني نفسي( سأكلمها اليوم…وأن يتطلب الأمر، سأشدها من يدها. من تكون حتى تجعلني مثل المجنون؟!).
أنا العنتري طوال حياتي، سأقف في وسط الطريق، سأنتصر على كل زبانيتها. أبدأ بـ: “العنزي المجنون” ، وكل من تسول له نفسه أن يدنو مني، من الليلة درعي سيعيش معي، سأطلق صرخات في وجه كل من يقف أمامي.
أخر مرة ، مدير العمل؛ كان يضحك بخبث وكانت السكرتيرة بنت ال…،تهمس له في أذنه و لما رأتني
لم تخف من نظراتي كالعادة ، بعدها بيومين دخلت عليه في المكتب و حاولت أن أعرف ما سبب التأخر في دفع مستحقاتي؛ و هو يعرف أني مستأجر لبيت ومطلق و ما يتبعه من نفقة و مصاريف المحامي.
زميلي في العمل، أسر لي بأن شيئا يحاك ضدي، وأني قاب قوسين أو أدنى بأن أرمى مثل الفأر.
لا أعرف لماذا المدير أصبح له ذيل وأذنين، لا يشبه الحمار، بل حيوان خرافي، نقرأ عنه و لا نراه.
يمشي و تتبعه السكرتيرة، وهي تجر أذيالها، وقد أصبح لها ردفان ثقيلان.
سحب سوداء تغشى المكان، في المكتب و الردهات. الأوراق تعفنت من شدة الرائحة. قلبي يضج
بالوساوس.
الوجه الأبنوسي الذي لا يفارقني، يصحبني في نهاري و ليلي، كيف أفك لغزه. طال انتظاري.
أذان الفجر وهو يخترق مسافات السكون، ويعلن عن بداية يوم جديد. يوم لا تشبهه أي أيام أخر. بدأته و
لأول مرة بقراءة المعوذتين على غير عادتي، في حياتي مؤمن أن الخالق أدرى بمكنونات خلقه، فهو
أقرب له من حبل الوريد.
حمى أحرقت مراكبي وجعلتني أرى رؤوس بلا وجوه، تسارعت نبضات قلبي، و أنا أرى مشهدهم و هم يحملون قربانا . كانت حركاتهم منتظمة . خطواتهم متزنة. حراس المملكة وقعقعة أسلحتهم. الوزير المختل وهو يرمق الجارية الحسناء، يأمر حراسه بجز رقبة كل من تسول له نفسه أن يدنو من الموكب الملكي.
الملك في غيبوبة، والملكة تريد من الوزير أن يقتل بنت الخادمة. الكل يعرف أن الملك تزوج من الخادمة قبل أن يمرض. قصة عاشت في الخفاء لسنوات.
لا أحد ينظر الي، اندس في وسط اللمة، محاذر. فرسان الملك دخلوا من الباب الخلفي، بدون ضجة.
صف أخر كان يقف في أخر الجانب الخلفي ، وجوههم ليست غريبة علي، هم أبناء الحي، كيف أتوا الى هنا، وماذا يريدون؟!.
أسر «العنزي المجنون” الى أذن من كان يحاذيه.ـ
ـ هل سوف يقتلونها؟!.
أجابه الأخرـ بعد ما تكدر ما بين حاجبيه ـ:ـ
ـ ستنقل الى مكان بعيد.
وجهها غير مغطى، الوجه الأبنوسي. قامة المهرة. وضعت في عربية تجرها خيولا، لا صهيل لها. أحدث ضجة لدى الحاضرين و أفزعت الشعب المغلوب على أمره.
غبار تركته على الوجوه، العربية المسافرة لزمن غابر. وجدت نفسي وحيدا، غير قادر أن أفك شفرات لغز أصبح ثقيلا.
هل كل ما يحدث خترفات نائم؟!
و الى أين أتجهت العربة؟!
و ماذا عن مصيري في العمل؟!
و هل المدير ما زال له ذيل ؟!
و هل السكرتيرة مازالت تجر ذيلها؟!
و هل الوجه الأبنوسي يمر في ساعات الفجر الأولى….؟!.
تساؤلات كثيرة ضجت في رأسي و صدري. كنت أريد أن أغرز أخر سيف في حقولي الظمأ
في اليوم الموالي، سمعت صيحات لـ” العنزي المجنون”، يجري ثم يتعثر في عباءته الضيقة، كلما دنا من أسوار البلدة، راح يصرخ بكل قوة (غيبوا عني شمسي…..أين هي يا كلاب؟!…يا حراس المعبد القديم…… هي كل ما أملك!!…….)
جرى ورائه الحرس، أصطدم بباب المسجد المغلق، عباءته الضيقة كانت وراء سقوطه في حفرة لم تكن موجودة من قبل.
الشمس في ذلك اليوم لم تطلع ، غابت لساعات طويلة وراء سحاب أسود، وغابت ضحكات الصبية وكأن البلدة لم تلدهم قط.
في أعلى النخلة تراقصت عباءة، ثم دفعت بها الريح الى أعلى ، و أخلدت البلدة لنوم عميق .
- التائه
- التعليقات