يرمي بنفسه كالعادة في الشارع كل صباح .. بعدما يكون قد فرغ من ممارسة تقوسه المعتادة ولا يمكن بحال ان ينفك عنها .. ليبدأ رحلة العذاب .. نفس الطقس السيئ .. زحام في كل مكان مجاري طافحة.. ضجيج العربات يختلط مع أصوات الناس وعادم العربات .. أكوام الزبالة ملقاة بعشوائية…. حفر ومطبات في نفس الشوارع تقريبا .. مضايقات الباعة الجائلين علي الرصيف وفي إشارات المرور .. ونفس الوجوه الكالحة الكئيبة .. ومساحيق النساء الرخيصة التي تجعل النفس تشمئز منها وتتقزز.. والمصطلحات النابية التي تؤذي مسامعه كل صباح من المراهقين وهم يعاكسون الفتيات ..”وتحيات الصباح المنبعثة من هنا وهناك “.. وصاحب المقهى منتفخ علي كرسيه .. علي ناصية الشارع .. وضعاً ساق علي ساق .. ومبسم الشيشة في فمه .. ” والجا رسون ” يقم المقهى .. ويعدل الكراسي .. والحاج محمد يفتح دكانه ليكنس ويرش الماء يسمعه يقول :” توكلنا عليك يا رب “.. يلقي عليه تحية الصباح .. وهو يتفادى احدي الدرجات البخارية ” يتحوقل ” ويستأنف السير مشيا على الأقدام .. يتمتم بصوت منخفض .. “ربنا يستر علينا “.. صوت من بعيد يردد” توب علينا يا رب .. يبتسم في نفسه ويواصل السير .. وهو يردد خلفه في نفسه ” توب علينا يا رب ” …..
يصل إلي عماله الكائن في إحدى البنيات المتهالكة المتصدعة .. يستقبله المدير بوجهه العبوس المقطب .. والذي اعتاد كل صباح.. أن يغسله بفم ساخن ــ وصلة ردح ــ على الريق .. يصبحه بموشح في الالتزام .. والانضباط بموعد العمل الرسمية .. ثم لا ينسي أن يطلب منه الفراغ من كومة الدوسيهات التي أمامه علي المكتب بأقصى سرعة ممكنة حتى تقوم الشركة بإرسالها إلي الجهات المختصة…..
” خمسة عشر عاما مضت على هذا الحال , والمنوال .. منذ أن جيء به إلي هذا المكان .. والمكتب لا يكاد يخلو من جبال الدوسيهات.. خمسة عشرة عاما مضت في نفس التابوت .. وفي نفس الدائرة المفرغة .. يدور فيها كالرحى .. دوامة لا تنتهي .. إلا بانتهاء العالم .. أو خروجه على المعاش ” …..
يقلع الجاكت الرمادي القديم .. ذاك الذي اشتراه من أول راتب قبضه في يده .. لزوم الوجاهة والمنظرة..يضعه علي شماعة ــ اشتراها له خصيصا ــ يجلس علي مكتبه العتيق .. بعدما يكون قد اخرج نظارته المقعرة القارئة.. وقلمه ذو السن الرفيع .. ولم ينسي أن يشعل سيجارة .. بعدا أن يضع له العم ” سيد ” العامل بالمصلحة .. شاي ألاصطباحه أمامه علي المكتب ـ والحساب علي النوتة طبعاً ـ بعض الزملاء يتناولونه من حين لأخر بالتعليقات الساخرة.. والضحكات ذات المغزى الخبيث.. فيشترك معهم في الحديث والضحك .. وعيناه ماانفكت مغروسة ومنغمسة في الأوراق التي أمامه .. يسأله احدهم عن العلاوة .. والأخر عن الترقية .. فيجيبهم بصوت هادئ ونبرات فاترة .. وهو يقلب في أوراق الدوسيه الذي أمامه .
ــ ” الله اعلم .. ما عندي علم في هذا الأمر .. ولا استطيع أن أفتيكم فيه..!! ”
يعود إلي البيت .. بعدما يكون قد اشتري مستلزمات البيت وطلباته الضرورية .. وربما اشتري بعض الكتب والمجلات التي يجدها في طريقه صدفه .. عند بائع الصحف والمجلات والجرائد اليومية .. ذاك القابع بجوار ميدان المحطة وهو يمر عليه كل يوم في الذهاب والإياب .. وما أن يصل إلي البيت حتى يلقي ما في يديه بالثلاجة.. يصعد مهرولا إلي الطابق العلوي .. يغسل يديه بالماء والصابون جيدا.. فذاك ديدنه وعادته التي لا تنفك عنه .. كلما عاد من الخارج .. تنفيذا لتعليمات وزارة الصحة.. وخوفا على نفسه من الأمراض المعدية المنتشرة في الآونة الأخيرة وخصوصا مراض فلونزى الطيور المنتشر في العالم مؤخراً .. يصنع كوب من الشاي الثقيل ليعدل به دماغه التي خربت.. وصدعت من كثرة الضجيج والدّوشة.. يسترخي قليلاً علي أريكته القديمة يشعل السيجارة الأخيرة التي في جيبه .. يمسك بأحد الكتب التي اشترها من المعرض الدولي للكتاب في العام المنصرم .. يفر أوراقه .. يقرا…” هي أم لأربعة أطفال ..أنهكها المرض والتعب .. فلم تعد تفي بمتطلباته الزوجية.. تهرب منه وتفر كلما طلبها للفراش .. لذا تركت له الطابق الذي يعيش فيه.. وسكنت مع الأولاد في الدور الأرضي .. واكتفت بشغل البيت .. وإعداد الطعام .. الغسيل ..الكنس .. مذاكرة للأولاد .. وبعدما تفرغ ربما جلست معهم أما التلفاز لتشاهد احد الأفلام أو المسلسلات المضحكة , الذي ربما علي صوته قليلا فيوقظه من نومه .. فزعاً , متوترا , فيصب جام غضبه عليهم .. ويزعق فيهم أن أطفأه ..أو اخفضوا من صوته المزعج قليلا .” خمسة عشر عاما مضت.. ذلك عمر زواجهما التقليدي .. ولا يشعر كلا منهما تجاه الأخر بأي عاطفة أو إحساس .. ولا يجمع بينهما غير الأولاد فقط القدر هو الذي جمع بينهما.. تحت سقف واحد كغرباء .. صارحته ذات يوم .. وبعد مرور زمن علي زواجهما وبعدما أنجبت له الأولاد .. بأنها كانت مرتبطة عاطفيا.. مع شاب يسكن في الدرب الذي تسكنه.. ودارت بينهما قصة حب طويلة .. لكن أسرته الغنية لم تبارك هذه العلاقة.. رفضت أن تتوج حبهما بالزواج , ذلك الرباط المقدس , لأنها من أسرة فقيرة ,علي حد زعمها, وزوجوه بآخري غيرها مما أطرها بان تتزوجه.. حتى لا يفوتها القطار.. وحتى تثبت لهم بأنها .. يمكنها أخذ من هو أفضل منه.. إنسان طيب , وسيم , مثقف , منظم في مواعيده , جميل , وعلي خلق , موظف حكومي محترم, له دخل ثابت .. ويمتلك شقة اجأر جديد .. وبيت ورثة عن أبيه.. فرات فيه انه الشخص المناسب ..الذي يستطيع أن يعوضها .. عن هذا الحب الفاشل .. والحرمان العاطفي ..أما هو فقد اقنع نفسه بان الحب شيء ثانوي وأمر عادي .. وبان الحب الحقيقي .. سوف يأتي بعد الزواج مع العشرة .. وبان المعاملة الحسنة هي الأساس .. والزمن .. كفيل ينسيها هذا الماضي اللعين من وجهة نظره المتواضعة .. والذي كان سبب في نفورها منه .. وابتعادها عنه لفترة محدودة وبأنه لم يبقي في العمر بقدر ما مضي منه .. ويـالله حسن الخاتمة..وبأنها سوف تحبه مع الأيام وتعطيه كل اهتمامها .. مع رعايتها له ولأولاده والبيت..”…..
يتسلل النوم إلي عينية الكليلة , المتعبة فينام .. ناسيا الشاي .. والسيجارة التي وضعها في المطفأة التي أمامه قد انطفأت …..
قبل المساء بقليل يستيقظ من نومه .. يتناول طعام العشاء مع أسرته الصغيرة .. في جو مفعم بالود والحب .. والاحتواء .. يداعبهم قليلا .. يعطيهم حبه وحنانه .. ثم يتركهم وينصرف لبعض شؤونه في الخارج..ولا يعود إلي البيت إلا بعدما يغلب علي ظنه بأنهم خلدوا إلي النوم جميعا .. يدير المفتاح بالقفل ببطء .. يدخل يتسحب علي أصابع قدميه .. يمشي ببطء وحزر .. حتى لا يصطدم في شيء .. فيستيقظوا .. يصعد إلي غرفة نومه.. يتوضأ يصلي ما فاته من أوقات .. يمسك الرواية التي لم ينتهي من قرأته يقرأ ..” كل واحد منهما في حال سبيله متقوقع .منزوي منطوي .. ومنغلق علي نفسه … له حياته الخاصة .. وخصوصياته التي لا يقتحمها غيره .. نادرا .. أرهما .. يلتقيان .. يجلسان .. يتحدثان .. يثرثران في أشياء تافه . وأمور عاديه جداً غير ذي قيمة .. وربما يطول بهما الحديث .. ويتطرق إلي الكلام عن العمل .. وقد ينحني قليلا ويتطرف نحو حياتهما الخاصة .. ولكن سرعان ما ينزوي ويتلاشى كل هذا .. لأتفه الأسباب .. يتشاجران .. يتخاصمان .. وينعزل كل منهما عن الأخر .. وينفصلان كما كانا غرباء ..”………
يشعر بالتعب .. وعدم القدرة علي مواصلة القراءة .. يلقي بالكتاب بعيدا عنه .. يحس بالملل يتسلل داخله.. وصقيع الحرمان يغزوه .. ويملأ أركان الغرفة.. وكل شيء حوله..وخريف العمر يدب دبيبه في جسده .. ويسري في أوصاله المنهكة .. يبحث عن سجائره فلا يجدها .. تذكر انه لم يشتري سجائر هذا اليوم .. تمتم : ” تبت لكِ أيتها السجائر اللعينة .. يا ليثنى اقوي علي أن أبطلها .. تلك العادة السيئة التي أخذت من صحتي ومالي الكثير .. تبت لكِ ..” فكر ان يخرج ثانية ليشتري سجائر .. نظر في ساعته .. الوقت متأخر جدا .. ولا يستطيع الخروج .. لا ليشئ إلا لأنه متعب ومرهق .. فجأة ينقطع التيار الكهربائي ..بحث عن شمعة .. وضعها علي التلفاز في طبق .. نظر في المصباح الموفر الذي اشتراه من شهرين .. ظنا منه بأنه سيوفر الطاقة الكهربائية .. ولا يقطع النور مرة ثانية .. ابتسم في نفسه .. استرخي علي السرير .. اخذ نفسا عميقاً .. حمد الله على كل أحواله .. وستسلم لنومٍ عميق …..
في الصباح يقوم من نومه .. يمارس تقوسه الروتينية المعتادة .. والتي لا يمكن بحال ولا يستطيع الانفكاك عنها.. فهي صارت جزاء لا يتجزءا من حياته اليومية المعتادة .. يدخل الحمام بالماء الساخن يتوضأ .. يصلي .. يشرب الشاي .. يبحث عن سجائره .. يتذكر انها نفدت منه البارحة .. ولم يشتري غيرها .. يرتدي لباس الخروج .. بعدما يلمع حذاءه المتواضع .. يبحث عن أشياءه ليضعها في جيبه..يلملمها من فوق المكتب.. حافظة نقوده.. مسبحته..كتلة المفاتيح .. محمولة … السجائرــ ليست موجودة في هذا الصباح ــ يكتفي بالولعة .. وقد اضمر في نفسه عند أول ” سوبر ماركة” سيشتري علبة كاملة بعشر جنيهات .. لقط قلمه المفضل ..غرسه في جيبه هو الأخر .. مع الرواية التي لم ينتهي من قرأتها بعد .. ممنيا نفسه بإجادة وقت في احدي المواصلات أو بعدما يفرغ من عمله .. كاد ينسي نظارته في أخر لحظة قبل الخروج من البيت
يرمي بنفسه كالعادة في الشارع كل صباح .. ليبدأ رحلة العذاب .. نفس الطقس السيئ .. زحام في كل مكان .. مجاري طافحة .. ضجيج العربات يختلط مع أصوات الناس وعادم العربات .. أكوام الزبالة ملقاة بعشوائية .. حفر ومطبات في نفس الشوارع تقريبا .. مضايقات الباعة الجائلين علي الرصيف .. وفي إشارات المرور .. ونفس الوجوه الكالحة الكئيبة.. ومساحيق النساء الرخيصة .. التي تجعل النفس تشمئز منها وتتقزز.. والمصطلحات النابية التي تؤذي مسامعه كل صباح .. من المراهقين وهم يعاكسون الفتيات .. “وتحيات الصباح المنبعثة من هنا وهناك ” .. صاحب المقهى منتفخ علي كرسيه .. علي ناصية الشارع .. واضعا ساق علي ساق ومبسم ………………………………………………………………………………………………. ……………………………………………………………………………………………..
………………………………………………..

أضف تعليقاً