انتهك حرمة نفسه وأجرى مسحا ميدانيا على المزابل ، عرف من براميل القمامة الحالة الاجتماعية لأكثر العوائل المتعففة والمترفة والباذخة ،، كانت روحه شفافة للغاية لكنها الآن في خانة القاذورات ،كل شيء في طريقه ان يكون قاذورات او نفايات ،اضطربت هواجسه وغاص في حفر بواطن مخه ، ياترى هل ستكون أرواحنا الشفافة وقلوبنا المرهفة نفايات في يوم ما ،من سيوحي له ان يغادر رقعة
تفكيره التي تسربلت الى وجدانه كحطب ،الروح بدأت تقظم ماضيها في أروقة الحاضر المتهالك ،تذكر كل ارجاسه وشيطنته وغواياته في ساعة تيه لايستطيع التملص منها وقد اغدت تأملاته السالفة خروقات لم يكن يحسب لها ،تكومت كل أفراحه وأحزانه في دورق متصدع لا يستطيع ان يفك احدهما عن الاخر ،العالم بدا يبتلع عوالم اخرى ضمن مدار مخيلته التي تغص في دوامات من التفكير لذلك اتخذ قراره الصعب الذي لامفر منه ،كوّر عفشه وما ادخره وساقه الى سوق الجمعة فبسط حاجياته أمامه ،ملابس ،أغطية وفراش متنوع ،اجهزة كهربائية واجهزة تبريد ،ساعات جدارية منوعة ، غرفة أخشاب ،باعها بأسعار بخسه في اول النهار وعاد الى البيت بكل هدوء ان يلتفت له احد من الجيران ،.
عاد أهله من زيارة قبر ابيه بمناسبة مرور سنة على وفاته فوجدوا الباب الخارجي مفتوحا والمنزل فارغا الا من عفش وخرق واواني مخسفة وبقعة دم كبيرة تتوسط غرفة البيت الرئيسية انستهم عفش البيت واثاثه ،بقعة الدم الكبيرة تتفرع منها بقع من الدم تمتد من الغرفة الى ساحة البيت ثم تصعد الى السطح عبر السلم وتأخذ طريقا يشبه رتل الدود ياخذ عدة تعرجات على السطح ثم يصعد على الستار الخارجي للسطح وتستقر بقعة كبيرة منه بحجم فوهة قدح على مرآة متجهة باتجاه السماء ، كانت الشمس تضرب اشعتها عليها فينعكس شعاع يميل الى لون الغسق ، لم يحركوا المرآة من مكانها غلب الصراخ على الموقف والذهول والصدمة وبقعة الدم المستقرة في المرآة على شكل قلب ،تحنط جمع غفير من الناس على سطح الدار ،بقع الدم جافة جدا وقد تقوست بعض الشيء وان اية ريح قوية ستطيّر هذه البقع الدموية وتنمحي
الآثار سوى بقعة الدم الملتصقة على المرآة بقوة على شكل قلب .
استخبر اهله مركز الشرطة والمستشفيات والبحث في اطراف المدينة وبساتينها والحيرة والمخاوف والتشكيك واضحة على الجيران وكل يحاول ان ينسج قصة لدرء التهمة عنه ،، الخبر اثار ضجة كبيرة في المدينة وبدأت بعض الصحف تنشر الخبر وتهوله الى اكبر من حجمه والشرطة تعتقل المزيد من الجيران والمشتبه بهم وارباب السوابق وهي جادة في نزع الاعتراف منهم بقسوة .
أحد سائقي السيارات حلف أغلظ الايمان انه رأى المجنى عليه ماجد العطوان في الصالحية ببغداد امام احد مكاتب السفر مرتديا بنطلونا كاوبوي ومعه حقيبة دبلوماسية وحقيبة سفر كبيرة وعندما شاع خبر السائق الذي يعمل على خط بغداد عمارة اودع التوقيف على ذمة التحقيق ، بعدما توشح ظهره وزنديه وفخذيه بالسياط ، سأله الضابط بكل هدوء :-
– عباس ..صف لنا بالتفاصيل الدقيقة متى شاهدت ماجد العطوان آخر مرة
وماذا كان يرتدي من ملابس وماالذي دعاك ان تشيع هكذا خبر بالمدينة دون ان يطلب منك أحد ؟
-نعم سيدي سأجيب بالتفصيل .
– واذا ما اعترفت لنا بالحقيقة فلك الامان وسأوكل محاميا للدفاع عنك وسنحيط الموضوع بسرية تامة وانا متأكد لاعلاقة لك بالجريمة لكنك تستطيع ان توصل لنا بعض الامور التي تساعد في اكتشاف الجريمة .
بعد اربعة ايام وقبل ان ينتصف الليل بساعة تقريبا صاح السائق عباس على احد الشرطة وطلب منه ان يخبر الضابط اذا سمحتم لي بمواجهة زوجتي واطفالي غدا سأدلي لكم بمعلومات مهمة جدا ،سر الضابط لهذا الخبر وامر بتنفيذ طلب عباس ،حضرت الزوجة والاطفال عند الصباح الى مركز الشرطة ، لم يؤذن لهم باللقاء كما وعدوا ، ظلت تنتظر لساعات طوال حتى نام الاطفال على اطراف عباءتها عند جدار مركز الشرطة فيما تراقب الزوجة منذهلة حضور اقاربها واقارب زوجها .
بعد ساعة من حضور الطبيب والقاضي وضابط الادلة الجنائية ثبتوا في تقرير مهم بوفاة الشاهد الوحيد عباس السائق في السجن وقد مضى على موته اكثر من اربع وعشرين ساعة فزج الشرطي في السجن عن كيفية تبليغه الضابط بطلب عباس في ساعة متأخرة من ليلة امس ، تسلم ذوي السائق الجثة وتاه الاطفال عن امهم في ظل عويل غير منتظم ، عند التحقيق مع المسجونين عن التهمة وجيران ماجد العطوان والشرطي ذكر احدهم انه شاهد النزيل يصلي صلاة الفجر فيما ذكر آخر انه حاول ايقاظه على العشاء ولم ينهض فيما اختلفت آراء الاخرين لكن ذكرأحد المسجونين انه لم يتحمل مزيدا من الضرب وساعترف لهم بقتلي ماجد العطوان والاستيلاء على البيت وليكن مايكون ،
ارسلت الاوراق التحقيقية الى القاضي ومعه النزلاء بما فيهم الشرطي الذي زج معهم عن كيفية موت السائق وارجأت قضية ماجد الى اجل آخر .
قبل ان يأتي دورهم للمحاكمة سمعوا منادي المحكمة يدلي قرار حكم عن قضية اخرى بأعلى صوته : –
حكمت محكمة الجنايات الكبرى على المتهم ماجد عبد الله العطوان بالسجن لمدة خمس سنوات لمحاولاته عبور الحدود العراقية الكويتية متسللا ًعلى ان تحتسب مدة موقوفيته السابقة ان لم يكن محكوما عن قضية أخرى ….