..إعتاد الناس، كل مساءات الصيف، على الخروج الى الشوارع والأسواق والساحات والحدائق..إلخ، بعد أن يتأنقوا ويتعطروا ويتجملوا لينتحلون أجمل صورة متخيلة، كأنهم كل يوم في مسابقة للأنظف والأجمل والأبهى والأغنى والاقوى..فالكل يصرخ في وجه الكل: أيكم يضاهي عطره عطري؟ والكل يرى في الكل مرٱة عليها أن تعكس الصورة المشتهاة..ويضيع الكل في الكل، حيث الجميع جميل في نظر نفسه..لكن من القبيح !؟ أما هذه المرة فحدث أمر غريب، إذ لم تعد ترى في العيون نظرة الإعجاب المشتهاة، بل نظرات الإستنكار والنفور والقرف والإشمئزاز، وصار الكل يوجه أصبع الإتهام الى الكل، فتجد امراءة وزوجها يتبادلان الإتهام حد الإفتراق ليأخذ الواحد منهما سبيل العودة الى المنزل منفردا عن الٱخر، أو تجد مجموعة من الفتيات الصديقات ينفرط عقدها ويفترقن بعد التراشق بالإتهام المتبادل، بل وأضحى الأمر يتجاوز التبادل اللفظي للإتهام الى الدخول في عراكات دامية، واضطرب كل شيء او مكان يجتمع فيه الناس، حتى داخل المنازل، إذ كلما اجتمع إثنان إلا وبدأ التراشق بالإتهام، دون ان يعرف أحد مصدر تلك الرائحة الكريهة، التي لاتنفع كل عطور الارض في محوها من الأنوف؛ وكذلك دون ان يتقبل أحد كونه مبعث تلك الرائحة، فلاتسمع إلا:( انْتَ هو اللّي خانَزْ)،بينما الجميع يتوهم أن تلك الرائحة، التي لاتفارق الانف بعد أن يستنشقها لاول مرة، مصدرها الٱخر، ومن المستحيل ان يكون مصدرها الأنا ! وأصبح الناس يضعون أياديهم على أنوفهم، بعد ان كانوا يرفعونها للتحية، أو كمامات بدلها، كلما إلتقى أحدهم الٱخر، داخل المنزل او خارجه. لكن الرائحة اللعينة ظلت تنفذ الى الأنوف، ولاتفارقها بالمرة، حتى ولو كان المرء لوحده ! فاحتار الناس في الامر، واستسلموا لقدر خوفٍ غامض لاتملك كل عطور الارض له رفعا ! وظل الحال الطارئ مدة هكذا، الى ان طرحت شركة في الأسواق منتوجا عطريا جديدا، معبأ في مضخات صغيرة كتلك المستعملة لدى مرضى الربو، على المستهلكين ان يضخوه في أنوفهم باستمرار وعبر جرعات مستنشقة تفصلها فوارق زمنية محددة، كي يتخلصوا من تلك الرائحة الكريهة، التي أثبت فريق من العلماء، وبعد جهود مضنية، أنها تنبعث من الجميع، وتنفرز كاللعاب من كل الافواه، وإن بدرجات متفاوتة. واكتشفوا ان أي فرد يحمل داخله بذورا هجينة لجثة سريعة النمو، ونصحوا الناس باستعمال المضخات العطرية، محذرين من التحلل المتسارع الذي يهدد الجميع. فنُزلت تشريعات وفُرضت قوانين تغرم كل من لايحمل مضخة مزمنة، ودخلت السوق السوداء على الخط !
- التحلل
- التعليقات
