التناص مصطلح نقدي حديث وافد من الغرب، فرض حضوره في مجمـل الدراسـات الغربية والعربية منها مؤخراً، وقد اختلفت النظريات والمفاهيم والتفسيرات حوله باختلاف التيارات الفكرية والمدارس النقدية، فهناك من يرى أن التناص (كمصطلح غربي)، جاء على خلفية التضمين والاقتباس (كمصطلح عربي). (1)
فالتناص عند (جوليا كريستيفا): هو أحد مميزات النص الأساسية، والتي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها، أو معاصرة لها.
فيما يرى (سولير) التناص: في كل نص يتموضع في متلقي نصوص كثيرة، بحيث يعتبر قراءة جديدة / تشديدا / تكثيفا.
ويرى (فوكو): بأنه لا وجود لتعبير، لا يفترض تعبيراً آخر، ولا وجود لما يتولد من ذاته، بل من تواجد أحداث متسلسلة ومتتابعة، ومن توزيع للوظائف والأدوار.
فيكون التناص عندئذ: طبقات جيولوجية كتابية، تتم عبر إعادة استيعاب غير محدد لمواد النص، بحيث تظهر مختلف مقاطع النص الأدبي، عبارة عن تحويلات لمقاطع مأخوذة من خطابات أخرى. (2)
والتناص عند (توفيق الزيدي): هو تضمين نص في نص آخر وهو في أبسط تعريف له تفاعل خلاق بين النص المستحضِر والنص المستحضَر، فالنص ليس إلا توالداً لنصوص سبقته.
ويؤكد (بارت): أن فصل النص عن ماضيه ومستقبله، يجعله نصا عقيماً، لا خصوبة فيه، أي أنه نص بلا ظل .
معنى هذا، أن الإنتاج الأدبي يعتمد استعادة إبداعات سابقة، وهذه الاستعادة تكون خفية حيناً، وجلية حيناً آخر، بل إن كثيراً من هذه الإبداعات تكون تنويعاً على ما سبقها، لأن الارتداد إلى السابق بالقراءة، يقود حتماً إلى نوع من التماس أو التداخل الذي يعتمد التوافق تارة، والتضاد تارة أخرى .
من الملاحظ أن الأديب يعتمد في (تناصه) على مصادر متعددة، منها الديني، والتاريخي، والأدبي، كقول الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان مقتبسة مقطع من معلقة امرئ القيس:
على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حُطام الدّور
بين الرّدم والشوكِ
وقفتُ وقلتُ للعينين: “قِفا نبكِ” (3)
وقول الشاعر العراقي إبراهيم الطباطبائي، إذ يقتبس شطراً من بيت امرئ القيس:
وكم قائلٍ، والليل مدَّ هواديا “وأردف أعجـازاً ونـاء بكلكـلِ”
أيرتجع لليل القصـير لقـائلِ “ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي” (4)
بينما الشاعر السوري نزار قباني، في قصيدته المشهورة (هوامش على دفتر النكسة) نراه يقتبس نص قرآني:
جلودُنا ميتةُ الإحساس..
أرواحُنا تشكو من الإفلاس..
أيامُنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاس .. هل نحنُ “خيرُ أمة أخرجت للناس”؟!.. (5) ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
السؤال الذي يطرح نفسه، هل هناك إشارة إلى (التناص) في القصة القصيرة جداً تحديداً؟
نلتقط الإجابة بتعريف الناقد المغربي د. جميل حمداوي للقصة القصيرة جداً: (وتتمثل سمات القصة القصيرة جداً في الإدهاش، والإرباك، والاشتباك، والمفارقة، والحكائية، … والتناص، …). (6)
فيما يرى الناقد العراقي جاسم خلف إلياس وبشكل واضح: (إن تقنية التناص، يستخدمها القاص لأنها تتيح له حرية في الحركة أو القول لا يتاحان له تماماً خارج التناص .. فالإشارات اللغوية من ترتيب الكلمات أو الاقتباسات أو التلميحات الثقافية بأنواعها المختلفة، كلها علامات تحفز التخييل على استنطاق الموجودات النصية لتأسيس فضاء دلالي بين دال مكثف، ومدلول واسع وشمولي). (7)
وإلى ذلك ينحى أيضاً كلاً من الناقدَين: (أحمد جاسم الحسين و يوسف حطيني)
~~~~~~~~~~~~~~~~~
نستعرض هنا بعضاً من نصوص القصة القصيرة جدا لكُتّاب من العراق، وهم يستخدمون تقنية التناص في نصوصهم:
1– زمن عبد زيد الكرعاوي
الحجّاج
(أرسل الحجّاج بطلب علماء الاقتصاد، لم يأتِ غير ذلك الرجل الأصلع ذي اللحية التي طولها ذراع، سأله عن تشخيصه للمشكلة الاقتصادية التي يُعاني منها الناس، قال:
ــ تنحصر المشكلة يا (مولاي) بين صلعتي ولحيتي، وعلاجها …
قاطعه الحجاج بضحكة شقت سقف القصر:
ــ أعطوه هدية مجزية، واقطعوا المشكلة!.)
يُحيلنا القاص الراحل زمن عبد زيد الكرعاوي (رحمه الله) إلى تناص شخصية تاريخية، يستحضر من خلاله قسوة الوالي الأموي (الحجّاج بن يوسف الثقفي) واستخدامه المفرط للسيف، بمناسبة وبدونها، فبمجرد سماع اسم (الحجاج) نستحضر شخصية ظالمة وقاسية في التاريخ الإسلامي، فهو صاحب العبارة المشهورة:
(إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى!).
2 – محمد الخفاجي
صرخات غزة
(تحت مدافن التراب، وأعمدة الخـراب الممددة وقرب فورة الدماء الطاهرة، ورفرفة أجنحة الأرواح المتعانقة؛ باحت المدينة صارخة من عـمق تاريخها العروبي بحديثٍ غير مكذوب، بليغ الأثر، تحتكره هي دون مدن المعارك؛ قالت: “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”.)
في هذا النص يحيلنا القاص محمد الخفاجي إلى تناص تاريخي/ إسلامي ، يتمثل برد النبي المصطفى (عليه الصلاة والسلام) أو من يمثله، بقوله “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار” على كلمة لأبي جهل قالها في معركة بدر الخالدة “لنا العزى ولا عزى لكم” .. وفي رواية أخرى أنّ هذا السجال كان في معركة أحد.
3 – هدى الغراوي
جغرافيا
(حين سأله المعلِّم: وضّح لنا موقع العراق من الأمَّة العربية؟
أجاب: “قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ”.)
يظهر التناص جلياً في هذا النص الذي تحيلنا فيه القاصة هدى الغراوي، إلى قصة يوسف وأخوته عندما رموه في جُبٍّ في قلب الصحراء، حين أكل قلوبهم الحسد، لقربه من قلب أبيه النبي يعقوب دونهم، وترى أن نفس الحال ينطبق على العراق (يوسف) والدول العربية (أخوة يوسف).
4 – علي غازي
خيانة
(فك قيودَه، نزع عن جسدِه المسامير ونزل من صليبه. تتبَّعوا أثرَ خطاه المُدمّى حتى أورشليم ، فوجدوه قائمًا وسط تلاميذه، والذي أنكره قبل صياح الديك، عاد يكررها وزادها ثلاثًا..)
في هذا النص يحيلنا القاص علي غازي، وببراعة لافتة، إلى نص ديني مسيحي (الأنجيل) ، يتمثّل بقصة صلب السيد المسيح عليه السلام من قبل الرومان، والموقف المريب لأحد تلامذته (بطرس) في تلك الواقعة.
((فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ((“
إنجيل مرقس 14: 30
((فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: “إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ”. فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا.))
إنجيل متى 26: 75

وهذا الموقف المريب من بطرس، أضحى محل نقاش ديني حاد داخل الكنيسة، هل هو خيانة منه للسيد المسيح؟ أم كان لدفع الضرر عن نفسه، أم كان صادقاً بإنكاره لأن الذي رآه هو الشبيه.
أراد القاص علي غازي، من خلال هذا النص التحذير من خيانة المقربين.
5 – فلاح العيساوي
عُسر
(جاءَها المخاضُ، تذكّرَتْ تلك الليلة التي لا تُنسى.
حبسَتْ أنفاسَها، صاحت القابلة، تنفّسي بقوّةٍ، وادفعي بالتي هي أحسن، ظنّتْ أنّ روحها تخرجُ مع كُلِّ دفعةٍ، لعنتْ تلك الليلة.
وضعوه في حضنها .. قالت:
“الآنَ حَصحَصَ الحقُ”)
في هذا النص يحيلنا القاص فلاح العيساوي، إلى تناص قرآني، إذ يقتبس بعض العبارات القرآنية، مثل (جاءها المخاض) من سورة مريم، و(ادفع بالتي هي أحسن) من سورة المؤمنون، و(الآن حصحص الحق) من سورة يوسف.
6 – عباس عجاج
تكرار
(تحكي الأسطورة أنّ السماء قد فدته بكبشٍ عظيم، حين قام الرجل الصالح بتقديم ابنه قربانا إليها، في الأصلاب الطاهرة كان ذلك العظيم ينتقل في رحلة الملكوت، حيث أجل مسمى، وحين أسلم لليمين، رمق رضا الرب، وتقدم قرباناً مقطع الأوصال.)
يحيلنا القاص عباس عجاج في نصه هذا إلى حادثة فداء السماء لنبي الله إسماعيل عليه السلام، بعد أن رأى أبيه إبراهيم عليه السلام في الرؤيا أنه يذبحه، وعندما رأت السماء أن الوالد والولد قد أطاعا الله في الذبح، تم الفداء في اللحظة الأخيرة {وفديناه بكبش عظيم}.
وفي النص تلميح إلى عملية فداء أخرى، مغايرة هذه المرة، ومستمدة من الموروث الإسلامي الشيعي، تتمثل بمذبحة كربلاء، وما قيل فيها: أن الحُسين (مقطع الأوصال) كان هو القربان.
7 – محمد الميالي
بَقْـر
(انشَقَّ الجِدارُ؛ سَقَطتُ مُتَدَحْرِجاً لمسافَةِ حَبلٍ يَربِطُني … تَخالَفَتْ عَلَيهِ مَناشيرُهُم لِقَطعِهِ، لَمْ يُفلِحوا، حالَتْ بَيْني وَبَينَهُم غَمامَةٌ حَمراءُ؛ أغرَقَتني في نُعاسٍ … أفقتُ في ظِلٍ ظَليلٍ، بَينَ يَدَيَّ قَدَحٌ سائِغٌ شَرابُهُ؛ حَلَّقَ عِطرُهُ إلى حَيثُ تَبِعَتْهُ عَيناي، وَإذا بِها قادِمَةٌ في قُبَّةٍ مِن نورٍ … الشهيدةُ السعيدةُ أمي).
نحن هنا أمام نص يحتاج إلى قراءة متأنية لتحليله، حيث نلمح من خلال قراءة ما بين السطور، وجود جريمة قتل (يرويها الجنين) تتعرض لها امرأة حامل، وبقر بطنها، وموت جنينها، وبقاء الحبل السري بينهما رغم محاولة الأشرار قطعه بمناشيرهم.
وما يهمنا من النص ما رافقه من تناص، مقتبس من كلمات قرآنية: “ظِلٍ ظَليلٍ” في إشارة إلى الجنة، و “سائِغٌ شَرابُهُ”
نلاحظ مما سبق، اعتماد القاص العراقي على تقنية التناص، وسّع آفاق النص ودلالته، وكثّف القاص من خلاله البعد الدلالي للغة، مما جعل النص ثرياً ومُمتعاً في الوقت نفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1 – (مظاهر التناص الديني في شعر أحمد مطر ص25 ــ عبد المنعم محمد فارس)
2 – (معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة ص215 ــ د. سعيد علوش)
3 – (الأعمال الشعرية الكاملة لفدوى طوقان ص394)
4 – (ديوان إبراهيم الطباطبائي ص209)
5 – (الأعمال السياسية الكاملة ــ نزار قباني ص86)
6 – (من أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جداً ص8 ــ د.جميل حمداوي)
7 – (شعرية القصة القصيرة جداً ص166 ــ جاسم خلف إلياس)

أضف تعليقاً