تختلف مفهومات التيمة حسب العديد من القواميس، فحسب قاموس بوجواز هي (تقابل) ، وحسب المعجم الفلسفي هي (موضوع)، وعرفها تيودوروف وديكرو (بمقولة)، الموت مثلاً، وبالتالي فإن التعرف عليها يقتضي تحليل النص في كليته، ومن الواضح ان موضوع التيمة لم يتفق عليه بشكل كلي بتعريف واحد، بل اخذ مفاهيم مختلفة، ولكن ذلك لا يلغي عملية السيطرة على بعض تجلياته وفهمه بشكل ينطبق على السرد القصصي، فالتيمة هي جزء من الفكرة التي لا يتوقف تطورها في النص على اتجاه واحد، وبالتالي لا تتقيد في كثير من الأحيان بثيمة واحدة، بل هي سلم تتدرج في تطورها ودلالاتها، على مساحة الرموز التي يحتويها النص، وعلى صوره التخيلية المنفلتة من تقليدية الوصف والشرح، إلى مضمار الخوض الغرائبي والأسطوري احياناً، أو إلى كسر النمط التصويري التقليدي بالخروج إلى عراء الأشياء، لتكوين عجينة حكائية تشكل فكرتها في حينها، وتكمل باقي الأفكار التي تندرج كرموز في النص المضغوط، والذي يقتصد فيه الكاتب دلالاته إلى مساحة قصيرة وسريعة، دون أن ينسى الكاتب الحدث أو تراكيبه الجزئية.
فالتيمة في حالة مقيدة للأفكار في النص القصير جداً، وهي جزء من الأفكار التي يود النص قولها، وذلك في عدم تحديد التأويل إلى اتجاه وحيد يقتل متعة التلقي عند القارئ، ويعزز دوره البنيوي على حساب التفكيك الذي يفتح لنا النص إلى ابعد من مجرد تيمة واحدة، فالأثر الذي نبحث عنه ليس تيمة واحدة مخبئة، بل هو نبش العديد من الصور المختلطة، بما يشبه اللوحة السوريالية، والتي علينا تفكيك أجزائها، كل بقراءته، للحصول على الفكرة والتأويل المهم، وهذا ما يدعوه البعض في الكثير من المرجعيات الثقافية والأدبية (في ما بعد الحداثة أو أيا يكن من التوجهات التنظيرية التي لا أوافق عليها، ولهذا باب أخر سأعود اليه في مجال أخر)، فعدم اعتماد النص على ثيمة واحدة، أو فقدانها لصالح القراءة المتعددة، والتلقي المنفتح على المفهوم التفكيكي بأبعاده المفتوحة على انفلات الأثر إلى صور متراكبة ومتجددة، وكما يقول الكثير من النقاد بأن المتلقي هو من يؤلف النص، بمعنى احياؤه بتأويله المتجدد، من هنا لا يفقد النص أبداً أحقيته التجنيسية، بعدم تركيزه على التيمة كجزء صغير من محتوى النص، بل الحالة الأجناسية هي حالة شكلية أكثر منها تأويلية، لأن الحالة التأويلية، تعتمد على النص كوحدة متكاملة، أي على كل رموزه وصوره، أما الحالة التجنيسية فهي تعتمد على تواجد عناصر الجنس في بنيته الشكلانية، مثل وجود بعض العناصر الأساسية في كل جنس ادبي، فمثلاً الشعر النثري يختلف عن القصة ق ج، بعدم وجود الحدث والقفلة ، ولو انه يشترك مع الققج في بعض العناصر لا يجعل منه ققج.
فالتيمة عند باشلار هي قيمة كلية، وهي الآثر الذي تتركه الوظيفة اللاواقعية في النص، وهي عنصراً بنائياً حسب برينيل وليست كلاً مكتملاً كفكرة نهائية، فكورتيس مثلاً فرق بين التصويري والتيماتي، فالتصويري هو نسق تمثيلي بصري يمتلك معدلاً في العالم الطبيعي والواقع المدرك، أما التيمات فهي العوامل الفاعلة في البرنامج السردي، وتتميز بأنها استثمار دلالي وطبيعة مفهومية.
فعملية التلقي تشمل حواس المتلقي كلها، وخاصة المحاكاة العقلية، فالعقل هو الحافز على ربط مكونات النص الداخلية والخارجية، وفهم تعالقاته التأويلية، كما أن ذائقة المتلقي وعاطفته وايديولوجيته هي عنصر مكمل لعملية تحقيق التأويل وفهم مكامن أفكار النص، فالمشاعر حالة آنية لا تعبر عن قوة النص، وهي غير كافية للدخول إلى تأويلاته الايحائية والرمزية، بل ثقافة المتلقي ومقدرته الإبداعية هي أحد العوامل التي تجعل المتلقي يدخل إلى عوالم النص المختلفة. فالمشاعر هي حالة آنية لا تعبر عن قوة النص ولطالما كان خطاباً سياسياً نارياً وسطحياً يحرك مشاعر الجموع أكثر من قصيدة او من أي منتج أدبي أو فلسفي، لذلك لا يمكن اعتبار المشاعر حالة حيادية للدخول إلى النص، بل هي حالة عائمة لا تعتمد على قوة النص على عناصر أخرى.
- التيمة والعملية الأجناسية في الققج
- التعليقات