..غيرتُ خطتي، بعد ان فاجأني منظر الثلج وقد غطى الارض تماما وجعل من المستحيل امام اقدامي ان تعود الى البيت دون ان تخلف وراءها اثرا يدل عليها، وهشمت النافذة قبل ان انزل منها الى فروع الشجرة التي اعتدتُ تسلقها والنزول عبرها كسلم كلما صعدتُ الى حليمة في غرفتها ليلا على غفلة من اهلها النائمين.! قررتُ ان اضرب عصفورين بحجر واحد، عوض عصفور فقط، كنت انوي صيده قبل ان اجد نفسي في ورطة من ثلج لم اتوقع سقوطه رغم ان السماء كانت غائمة والجو باردا.! لقد سارت الامور وفق ماخططته سابقا، ولم اجد عناءا امامي، وانا اتسلل الى دار سبق وتسللت اليها مرات في ليالي حارة شبقا ونشوة، ولم يختلف الحال بين التسلل لأجل حليمة والتسلل لأجل السرقة، ففي آخر المطاف كان غرضي هو استغلال المتعة بين نهديها الطافحين لأجل التمكن من سرقة مال ابيها، وكل تلك الوعود بالزواج مجرد طعم ارتشفتْه على مهل كقبلة غير مستعجلة وازدادتْ تعلقا بي.! لهذا وجدتُ الفرصة سانحة حين اخبرتني، في آخر اتصال هاتفي، وانا احدثها عن شوقي إليها والى ليلة في احضانها اللاهثة نشوة، عن استحالة ذلك لاضطرارها الى السفر، رفقة عائلتها، بعد ان بلغهم خبر وفاة جدتها، فاسرعتُ لإنتهازها فالحديد لايُدَقّ إلا حاميا، خصوصا واني كنت اعلم انها نهاية الاسبوع وان اباها لم يذهب بعد الى البنك، في المدينة، ليودع حصيلة اسبوع من الارباح كما يفعل دوما، وان الغنيمة بلاشك ستكون مغرية..لم يخب ظني..لم يهزني اي شعور بالخوف وانا اكسر الخزنة واضع يدي على المال، كنت اعرف مكانها من لسان حليمة الذي سرب إلي كثيرا من المعلومات دون ان تفطن في غمرة الآهات المغتلمة والاحلام الوردية هي التي تخشى شبح العنوسة المطل مع كل مساء جديد يغرب؛ وكنتُ اعلم ان الجيران القلائل لدار حليمة، وبينهم اهلي، يغلقون عليهم فراشهم هربا من ليلة باردة، ولم انتظر نومهم طويلا..لكن الثلج اللعين سد الطريق، فجأة، امامي، واشهر لسانه الابيض في وجهي مهددا بفضحي، إذا خطوت فوقه، وارغمني على اغلاق النافذة من جديد بعد ان منعتني عاصفته القوية من تحديد الاتجاه، والانتظار علها تهدأ.! صار ملمس المبلغ المالي الكبير الحار في جيبي،الذي استمتعتُ بتكرار عده وانا على سرير حليمة قبل ان أهم بمغادرة الدار، باردا كملمس مفتاح السجن، وصارت عين التاجر الكريهة تطل علي في خيالي شامتة محتقرة، وبدأتْ تدور عجلات سيارة الدرك في رأسي، وبعد فترة من الزمن امتدت امامي كعتبة سجن، مرقتْ في رأسي فكرة وفتحتْ بابا مقفل، وقلت دون صوت:
– ..وفي الثلج ايضا فرصة سانحة، لمن يعرف كيف ينتهزها.!
وفتحتُ النافذة مرة اخرى..كان الثلج قد توقف.وكنتُ اخشى ان اظل محتجزا الى طلوع الصباح. لكني إطمأنتُ الى اتساع حيلتي، وتركتُ النافذة مهشمة ورائي، بعد ان نزلت عبر فروع الشجرة، واخذتُ طريقي باتجاه دار غريمي الذي يحاول ان ينزع حليمة مني، ليصل الى مال ابيها، فكلانا في الهوى سواء. كانت فرصة على طبق مشتهى للتخلص منه، وإلباسه تبعات آثار حذائي، والثلج شاهد عيان، وكل ما كنتُ اتمناه ان لايعاود الثلج السقوط ويطمر آثار خطواتي. لهذا اضطررتُ، بعد ان عبرتُ ساحة داره متسللا بين الاشجار فوق بساط ابيض وتحت سماء مظلمة خلال ريح باردة، الى نزع حذائي وجواربي ورفع سروالي فوق الركبتين واخذ الواد الذي يمر قرب داره طريقا لايخلف أثرا، ثم الالتفاف على مسافة طويلة، والعودة الى البيت سالما.!
لكني لم اتوقع في الغد، وانا اتابع بابتسامة نصرٍ من وراء دخان سجارة ومذاق قهوة سوداء وجيب ممتلئ، سيارة الدرك تأخذ غريمي مصفدا، بعد ان احتفظ الثلج بآثار الاقدام كشهود، مسترخيا في حضن شعور ارتياح من شبح طالما نغص لياليَ على سرير حليمة، لم اتوقع انه بعد ذاك الغد سيخبرني الدركي، وانا على حافة البكاء بين جدران سيارة الدرك، أنه اعترف بالجرم المنسوب، واعترف عليَّ شريكا له، وان نفس الاصفاد ستغل يدي.!

أضف تعليقاً