وجوه كالحة نخرها الهم و الإحباط ، طال أمد الحجر، لا بارقة أمل تلوح في الأفق ، الأنظار متحفزة و القلوب واجفة تترقب انفراج الأزمة ، ملأ الشاشة وجه بشوش مزركش بألوان الطيف يقدم آخر الأنباء: ” أعلنت الحكومة فرض حظر التجول الليلي من الساعة التاسعة مساء حتى الخامسة صباحا ، لكبح تفشي فيروس كورونا . و أفادت في بيان رسمي لها بأن هذه الإجراءات الجديدة تأتي تبعا لتوصيات اللجنة العلمية والتقنية بضرورة الاستمرار في تعزيز الإجراءات الوقائية اللازمة للحد من انتشار وباء كورونا المستجد ، حفاظا على صحة المواطنات والمواطنين، بالنظر إلى الارتفاع الكبير جدا في عدد الحالات المصابة بهذا الوباء وعدد الوفيات المسجلة في الفترة الأخيرة . وأكد البيان كذلك أن المصالح الإدارية والأمنية المعنية ستواصل تفعيل إجراءات المراقبة الحازمة وتوقيع الجزاءات المناسبة في حق أي مؤسسة أو شخص ثبت إخلالهم بالضوابط القانونية المعمول بها. كما جددت التأكيد على أن خطر تفشي الوباء مازال قائما ومستمرا، خاصة مع توالي ظهور سلالات جديدة ، وشددت الحكومة على أن “الظرفية الراهنة تبقى في حاجة إلى التقيد الصارم بكل توجيهات السلطات العمومية وبجميع التدابير الاحترازية المعتمدة من طرف المصالح الصحية، من تباعد جسدي وقواعد النظافة العامة وإلزامية وضع الكمامات الواقية، حفاظا على المكتسبات الهامة التي حققتها بلادنا في مواجهتها لهذه الجائحة” .
كنت واقفا في الشرفة أنظر إلى الخارج ، مددت عنقي، كانت الريح معصوبة الجبين منشغلة بكنس الشارع المقفر، لا يسمع فيه إلا المواء والعواء . تنفست المدينة الصعداء ، هدوء غامر يخيم عليها . النسيم البليل يصافح الأشجار و يداعب العشب و الأزهار ، و القمر توردت وجنتاه ، تحف به غيمات متوثبات في سماء تشع نجومها صفاء .
بجانب الرصيف ، دبت الحركة ، متشرد ينبش في صندوق القمامة ، يغوص بنصفه العلوي و يستخرج غنائمه : رغيف ، دجاج مشوي ، سمك مقلي ، فواكه…
بسط طعامه على الأرض ، شمر عن ساعديه و انقض يلتهم بشراهة ، عندما فرغ ، تجشأ ، نظر حواليه ، صفر صفيرا حادا ، و لوح بيده ، صائحا :
” تعالوا أصدقائي ، اقتربوا لا تخافوا ، فالطعام شهي وفير” .
لبت االقطط و الكلاب الدعوة ، حركت أذنابها ، ندت عنها أصوات خافتة مكتومة و هي تنهش العظام و تقضم الرطب و اليابس .
تنحى الرجل جانبا ، تحسس بطنه المنتفخة ، هرش بأظافره الطويلة لحيته المتهدلة ، مسح المكان بعينيه ، عثر على سطل ، التقط عودا ، ثم طفق يقرع بقوة ، التفت إلى الحيوانات ، و حثها قائلا : رددوا معي ، و ارقصوا.
أحدث غناؤه و إيقاعه الصاخب بلبلة أزعجت الناس . أضيئت النوافذ و أطلت الوجوه .
تقدم المتشرد خطوات إلى الأمام يجر أسماله الرثة ، خاطبهم :
” عذرا أيها المحاصرون إن أنا أقلقت راحتكم ، عذرا أيها الغافلون ، لم نخلق لنخضع لنزواتكم و نقتات من فضلاتكم ، ألست أفضل منكم ، حر طليق ، و أنتم السجناء .. ”
أسدلت الأستار ، و أطفئت الأنوار . أما أنا فقد تكورت في فراشي تفترسني الحيرة ، أنتظر ما ينتظرون .
- الجائحة
- التعليقات