نظرت في الساعة.. كانت الحادي عشر والنصف.. وما زالت اصواتهن .. ترج المكان .. وتملآ البيت .. وتقتلع البيت اقتلاعاً .. وتهدم الغرفة علي ام رأسي ألمتعبة وأنا مريض.. وهن يزغردن.. ويطبلن , ورقصن , ويغنين.. كل ذلك في نفس واحد ” ألا سحقا لكن جميعا ” ….. أجريت تحاليل في الصباح .. وهنّ كل مساء يجلسن كالعادة علي احدي العتبات .. يصخبن قال لي الطبيب .. ” لا تخف سليمة .. ان شاء الله ” وهنّ يقلن لي .. في الرائحة والجاية ” عبالك ” ثم ينفلتن بالضحك ويغنين “عيونها تجرح ما لهاش دوى ولا طب ” .. لم كل هذا لا أدري .. ربما لأن الطبيب قد وهمني وقال : ” دم ” دم جديد ” لكني قطعت الظن.. باليقين عندما ذهبت الى طبيب متخصص أمام..الشارع الذي أسكنه .. عرضت عليه نتيجة التحاليل .. فقال لي بعدما اخذ .. كل ما تبقي في جيبي , من نقود ” أنت محتاج عمليه فورا “…. تتوسطهن .. شابةً في العشرين من عمرها .. ترقص على ايقاع طبله هتماء.. مشروخة الصوت .. ظل صوت الطبيب يتردد في أذني ” أنت عائز مستشفى كامله .. تعالجك “.. ضحكت بمراره لا جاملة ” أنا عارف أني محتاج كنصلتو في جميع التخصصات “.. تقع الراقصة من طولها .. من التعب .. فيشدون غيرها لتأخذ مكانها ..وقفت أنظر حولي بتدقيق .. كانت على جدار العيادة صورة “للراعي الصالح ” يحمل على احدى يديه .. حملاٌ صغيرا بني اللون .. وبيده الأخرى عصا للأغنام .. التي ترعى حوله .. لكن ثم ذئب رابض هناك .. ينظر ولسانه يكاد يصل الى الارض من اللهث .. كانت غاده حسناء تشبه غزالا شاردا تتمايل في دلال ..فتلتهمها كل العيون الجاحظة .. ثائرة وغير ابهه .. تهتز .. تضرب رجلها الارض .. فتهتز قلوب الذئاب الناظرة .. وهي تلوح بزراعيها في الهواء .. بحركات ساحرة لها جاذبيه خاصة كصياد ماهر.. أتقن صيد الأسود الجائعة.. وعندما فرغ الطبيب من ” الروشة ” قال ليّ وهو يترع نظراته السوداء ” تجيء يوم الثلاثاء” وأعطاني علبة دواء برتقالية .. مجانا معللا بأن أبي رجل طيب وفقير .. أديت اليه كلمات الشكر.. التي لا أملك سواها .. وانصرفت الى المنزل الذي ما زالت أكوام النسوة امامه .. المهم .. أخبرت أبي الذى لم يبد أي اهتمام غير أنه ضرب فخذه بيده قائلاٌ بنبرات معبأٌ أساٌ وحزناٌ وألماٌ ..”من أين يا ولدي ” وعندما جاءت أمي أعطتني ما تبقي معها من نقود لأشتري به الدقيق ..ألذي لم أجده ..واشتد الألم فدخلت “صيدليه ” ثم خرجت وأنا أتسند حواط الشارع الطويل ، ولما اقتربت من النسوة اللائي يثرثرن .. توقفت ضربات الطبلة وتجمدت.. الايدي وصمتت الزغاريد ، نظرت فإذا العيون محشوة علامات استفهام وتعجب ، أسرعت احداهن مني في صمت .. هو أقرب الى الموت منة الى الحياة .. انغرست احدهن تحت جناحي لتحملني ، ابتسمت محاولا أن أخفف عنهن .. أو أكسر هذا الصمت المخيف ، وتحدثت لتخرج كلماتي باردة جافه ، تكتمت أنفاسي وتعثرت الكلمات ليتوه.. معناها.. ولأتوه في سرداب أسود من الفكر القاسي .. أخذ ينظر الجميع الى في رثاء وحيره .. وكأنهن يدركن ما أنا فيه من خوف ورعب..خرجت أمي على الصمت.. وحين رأتني صرخت في وجههن لينصرفن والدموع توشك أن تتساقط على الأرض .. فرحن يحطنني ما بين مسندة .. وممسحة .. وداعيه ، وقائله ..”سلامتك يا عريس “وعندما وضعتني على فراشي .. خرجن ليكملن العرس .. وراحت أصواتهن ترج المكان رجا .. لتقتلع ام رأسي اقتلاعاٌ .. لتلقي بها في الجحيم .. .. رأسي اقتلاعاٌ لتلقي بها في الجحيم .. رأسي اقتلاعاٌ لتلقي بها.. في الجحيم .. الجحيم .. .. الجحيم .. ..يييم .

أضف تعليقاً