في البداية رجوتهم بتوسل ان يأخذوني مع زوجتي الى ملجإ النساء، فلاضير ان يعتبروني في عدادهن مادمتُ سأكون في مأمن من الجني اللعين.! لكنهم سخروا مني، وهددوني بالحبس إذا لم ارابط في داري، كي لايتجسد الجني في صورتي ويصير سيد الدار الى الابد، الامر الذي سيفشل الجهود الكبيرة لتطويق العدو اللذوذ وحشره في زاوية الاستسلام، وإلقاء القبض عليه من طرف الفقهاء المتخصصين في هذا.! بعدها رابطت مرغما، في جملة رجال الحي المرابطين، داخل داري الكائن قرب المجزرة، اما التساؤل عن من اطلق الجني الحبيس لزمن طويل في القمقم.!؟ او ماإذا كان قد تطور من تلقاء ذاته واكتسب خصائص جديدة جعلته ينفض عنه القمقم بعد طول حبس.!؟ وحتى ماإذا كان جنيا من نوع جديد خرج من جداول الاختبار على اوراق الفقهاء.!؟ صار ( التساؤل) ترفا ذهنيا ونفسيا في روح تستنفذها غريزة الخوف.! لهذا صرت لااطفأ الضوء طول الليل، وتعلمتُ كيف اغفو دون ان تغفو حاسة سمعي لعلِّي ألتقط أي صوت يشير الى وجود الجني في الدار. وفي النهار اقضي وقتا طويلا وراء النافذة أراقب الشارع الخالي إلا من الفقهاء والسحرة والعرافين وبائعي البخور والتعاويذ والتمائم؛ افكر في الجني الغريب الاطوار، بحسب رواية الفقهاء الضالعين في طبائع الجن، الذي لايظهر للرجال عكس النساء، لهذا أُخِذتِ النساء الى الملاجئ، خشية ان يضاجعهن الجني الوقح ويستولد منهن جيشا من المردة، ربما لأنه عانى كِبتا قاسيا طويلا طول الزمن الذي قضاه وحيدا حبيس القمقم.! لكني لم اطمإن مطلقا، إذ ماالذي يمنعه ان يفعل بي مايحلو له رغم انه لن يظهر امامي.؟ وظلت يدي ممسكة، بتحفز راجف، بزناد من زر الهاتف، كي أطلق رصاصة إخطار في اتجاه رقم خصص لهذا، حال استشعاري أي امر مريب، ليسرع الفقهاء المكلفون لإلقاء القبض عليه. خصوصا واني لم استطع شراء بخور ذو جودة عالية له مفعول السحر على الجني المكبوت، واكتفيت بخرذة من بخور لاتستر عورة خوفي، وعلقت في جيدي تعوذة رخيصة اما التميمة فاكتفيت بالتمتمة عند سماع سعرها الغالي، وهذا دون ان يفوا بوعدهم ويوزعوا بخورا مناسبة على المعوزين.! ومما زاد طين خوفي بللا سكناي الى جوار المجزرة، إذ بحسب الفقهاء العارفين باهواء الجن ونزواته، تبقى من الاماكن الاثيرة على نفوس الجن. لقد كنت اتوقع ان يلجأ الجني الى داري، بعد ان طُوقتِ المجزرة بالبخور والتمائم والتعاويذ وعمائم الفقهاء والسحرة والعرافين التي تلتف على نفسها كالافاعي، وأُغلِقت امامه باقي الدور بأجود البخور. لهذا قفزتُ مذعورا عن ظهر غفوة قصيرة عندما سمعت خشخشة في البيت، وحين نظرت جهة مصدرها رأيت فأرا وراء قوائم خزنة تقشر لونها، فاسرعت وامسكت به إثر جهد بعد ان اغلقت في وجهه الثقب الذي جاء منه اسفل الجدار. رفعته من ذيله، واسرعت الى الاتصال بالرقم الخاص، كي يعجل الفقهاء المختصون إليه، ويتأكدوا ما إذا كان هو الجني اللعين وقد تجسد في صورة فأر للتمويه، او مجرد فار حقيقي بائس.!؟ وكي اسيطر على الخوف الشديد الذي جعل يدي ترتجف بشكل يمكن ان يُفلتَ الفأر، رحتُ أخال نفسي قطا بارعا بمخالب واثقة، بانتظار ان تحضر فرقة الفقهاء الخاصة.! وعندما اقتحموا الباب ودخلوا تسبقهم رائحة بخور مدوخة، شعرتُ ان الفأر صار اكبر من قبضة يدي، وحين إلتفتُ إليه رأيتُ رجلا يشبهني كأني ارى صورتي في المرآة.! وقبل ان أغلق فمي المندهش، صاح بصوت هو صوتي موجها سبابته إلي : هاهو الجني، خذوه.! لم استطع نطق حرف، واكتفيت بهز اصبعي المرتجف علامة نفي، فيما كانوا يحيطون بي. وتذكرت زوجتي عندما تعود من الملجإ، وقلت دون ان يسمعني احد : سيستولدها جيشا من المردة.! فأخذوني، وتركوا الجني مكاني يتلقى التهاني وسط سحابة من بخور.!
- الجني
- التعليقات