كعادتها .. لا يهدأ لها بال، ولا تستكين عزيمتها قبل أن تنهي ما خططت له. فمنذ الصباح الباكر وهي تتفقد قاعة المحاضرات وتتأكد من دقة لصق الأسماء على المقاعد الأمامية المخصصة لأعضاء وفود الجامعات الأجنبية من أوروبا والهند وروسيا والصين ومن دول أمريكا اللاتينية، إضافة إلى الجامعات العربية والوطنية والمراكز العلمية التخصصية في مجال المعلوماتية والإنترنت. مع متابعتها المباشرة لوضع شعارات المؤتمر في الأماكن البارزة، وعدم إغفالها تفحص أجهزة الصوت بنفسها والإنارة والتهوية، مع تأكيدها على النظافة وتجهيز استكمال جناح الاستقبال وإتمام طباعة النشرات العلمية وجدول أعمال المؤتمر ودقة توزيع توقيعات الكلمات والمحاضرات وأوقات الاستراحة والبوفيه المفتوحة. وبين الفينة والأخرى تهاتف المسؤول الإداري لتطمئن على وصول الوفود وأماكن إقامتهم، ومع كل هذا الكم الهائل من الأعمال وضيق الوقت لم تنسى أبداً اهتمامها بتوزيع الورود ونباتات الزينة في الأماكن المناسبة لخلق جو من الارتياح والسكينة على المجتمعين وبث الجمال الروحي في نفوسهم.
ما إن كادت عقارب الساعة تقترب من الثانية ظهراً حتى قررت أخذ قسطاً من الراحة لتشرب كأساً من عصير الفاكهة قبل موعد عقد الاجتماع الأخير للطاقم البشري المكلف معها، لتدقق بمدى معرفة كل منهم بدوره ومهامه.
في الساعة الخامسة والربع بعد الظهر. أوقفت سيارتها في أقرب مكان مناسب وجدته. مفتاح باب الدار في يدها ومع ذلك رنت جرس الباب وانتظرت والدتها لتفتح لها الباب لترمي بنفسها بين أحضانها وتطبع قبلة على جيدها. لحظات وأطلت والدتها من خلف درفة الباب ودرر من دموعها مختبئة تحت أجفانها. قبلتها وأعلمتها بجاهزية الحمام وطعام الغداء.
دخلت باب الدار وعبارات الاعتذار تسبقها لتبرر تأخرها. عانقت والدتها وارتمت بين أحضانها لتطرب أذنيها من أنفاسها قبل أن تضع حقيبتها وأوراقها على أقرب أريكة، وهي في طريقها للاستمتاع بحمام ساخن منعش لتنعم بالراحة بعد تعب متواصل طوال النهار.
جلست أمام والدتها تتناول طعامها بشهية وهدوء وسألت عن والدها وبقية أفراد العائلة.
الأم: كلهم بخير .. لكن المهم أنتِ. كيف حالك وإلى متى؟
وداد: أنا بخير .. لكن ماذا تعنين بدقة؟
الأم: ها قد ودعت عقدك الثالث قبل أشهر وأنت منشغلة بالعلم والعمل .. إلى متى؟ ألم يحن الوقت للاهتمام بنشاطاتك الاجتماعية أيضاً؟ لأن العمر يمضي ولا ينتظر أحداً، ونحن متلهفون للاطمئنان عنك قبل أن .. وتصمت لتتكلم دموعها بدلاً عنها.
وداد وبلطفها المعهود ترد:
أعرف جيداً ما تقصدين ومدى أهميته لي ولكم. لكن أعدك بعد انتهاء المؤتمر سنحدد معاً برنامجاً ترفيهياً واجتماعياً كما يحلو لك يا سِتْ الكل.
الأم: آمل أن تكوني هذه المرة جادة فيما تقولين.
بعد ساعتين من الاسترخاء التام. بدأت وداد بمراجعة كلمة الافتتاحية التي ستلقيها أمام المجتمعين وتنسيق عبارات الترحيب وموضوع البحث وأخيراً كلمة الختام.
وما إن أطلت الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي حتى كانت القاعة مليئة عن آخرها. وفي الوقت المحدد دخلت وداد القاعة برفقة عميد الكلية ومسؤول من الوزارة، واتخذوا أماكنهم على المنصة مع وقع تصفيق الحضور وكاميرات الإعلاميين، وباشرت على الفور بافتتاح أعمال المؤتمر، ومزايا صوتها تتراقص على آذان المستمعين، صوتها العازف الماهر الذي يعرف كيف يحرك أنامله على أصابع آلة البيانو.
وماكادت تقترب من نهاية كلمتها حتى أحست أن قلبها يخفق بشدة، وأن شعوراً خفياً يداعب أوتار روحها، وماهي إلا لحظات حتى لمحت نظرات محددة من المقاعد الأمامية تجذبها وأنفاس طروبة تحلق فوق الأثير لتصل إلى مخزون مكنوناتها لتعبث بها كما تشاء، فتمالكت أعصابها وتابعت أعمال اليوم الأول بنجاح، وقضت ليلتها تلك وهي تقلب صفحات ذاكرتها دون جدوى.
وفي اليوم الثاني للمؤتمر وقبل نهاية الجلسة الصباحية، بدأت بقراءة السيرة الذاتية للمحاضر الأخير قائلة:
الدكتور المهندس نوار الأسعد. خريج جامعة حلب لعام … دفعة .. اختصاصي .. محاضر في الجامعات الوطنية، عضو جمعية الصداقة والتعاون والبحث العلمي للجامعة الأوروبية الشرق أوسطية.
وصمتت بانتظار صعوده للمنصة وهي تحاكي ذاتها:
إذن هو من دفعتي .. وكيف لا أتذكره؟ وتاهت ذاكرتها في سنوات الدراسة الجامعية وهي تنظر إليه وهو يقترب منها ليصافحها، فمدت يدها لتصافحه وتشكره على مشاركته ولتجلس في مكانها مصغية إلى ماسيقوله.
ومضى الزمن مسرعاً وهي لم تعي شيئاً مما قاله ؛ لأنها كانت محلقة على أجنحة صوته الشجي المطبوع في ذاكرتها، ولم تكن تعرف مصدره، وفي ختام كلمته شكر اللجنة التنظيمية بشكل عام وتقدم منها وشكرها بشكل خاص ودعاها لتناول فنجان من القهوة في فترة الاستراحة، فلبت دعوته دون تردد.
في الاستراحة وما إن جلسا معاً حتى بدأ كلامه قائلاً:
– ما هذه الإطلالة الجميلة، وما هذا التنظيم المميز والإلقاء الرائع الذي قدمته؟
أجابته:عفواً .. وعلامات الدهشة والخجل تتسابق إلى وجنتيها.
أجاب: لقد دعوتك اليوم لنتعارف مجدداً وعن قرب دون مسافات أيام الطلبة، وأنا جاهز لأفرش أمامك مكنونات من الأحاسيس والمشاعر مدفونة في ذاتي، خبأتها إليك منذ الأشهر الأولى لالتحاقنا بالجامعة، حين لمحتك لأول مرة بقي رسمك منقوشاً في ذاكرتي لا يفارقني، ولكن لضيق الوقت الآن أرجو منك أن توافقي على دعوتي إليك لتناول طعام الفطور في اليوم التالي الذي يلي نهاية المؤتمر.
وصمت وهو يحدق في وجهها ليقرأ جوابها فلمح علامات الدهشة والاستغراب وهي تزحف بتثاقل على معالم وجهها، فتابع كلامه بذكاء متقد قبل أن تجيب، وقال:
– لأن طعام الإفطار مفضل عندي عن بقية الوجبات، حيث مكامن ذات الإنسان تكون هادئة مستكينة راضية، ولم يخدشها شيء بعد من مؤثرات ساعات النهار.
وودعها دون رد منها وفي داخله فرح متأجج ينشر دفء الحياة بين أضلعه وخاصة عندما تأكد بأنها مازالت حرة مثله غير ملتزمة بأي رباط عائلي.
وافترقا وهو يقول : الساعة التاسعة يوم 9/9 في مطعم أيام زمان.
في ذاك اليوم وفي الموعد المحدد عَبَرَتْ وداد الممر الفاصل بين باب المطعم وصالة الطعام. فوجدته واقفاً لاستقبالها. فبادرته بالتحية قائلة:
– صباح الخير يا نوار .. عفواً أقصد الدكتور نوار أنا آسفة.
أجاب: نهارك سعيد يا وداد، وأنا سعيدة جداً؛ لأنني أشعر الآن بقيمة حقيقية لمعنى وجودي.
– شكراً إليك على دعوتك لي، وقبل كل شيء أخبرني لماذا اخترت هذا الوقت بالذات؟
– إضافة لما قلته إليك سابقاً، فهو وقت خال من التشوهات والذاكرة تكون يقظة وصادقة وجريئة، ألم تلاحظي جرأتي وأنا أتجاوز الألقاب بيننا، والآن ماذا تفضلين أولاً، القهوة أم طعام الإفطار؟
وبينما هما يتناولان طعام الإفطار كانت تجهد نفسها في إزالة آثار خجلها المتناثر على وجهها، وهو كان يجيد في خطف فترات الاستقطاع كي يقر لها بصيغة السؤال: أتتذكرين يوم وجدت رسالة في دفترك ونحن مازلنا في السنة الأولى مع بداية الفصل الدراسي الثاني؟ … ويصمت.
وفجأة انتفضت روحها ورفعت ناظريها لتتأكد مما سمعته، وبريق من الأمل الكامن في داخلها كان ينبثق وينطق ولكن ..
و من دون انتظار حصل نوار على الجواب فوراً من احمرار خدودها، وعادت فراشات الخجل تثقل رموشها، فتابع في اعترافه:
– منذ أن لمحتك أحببتك، لا بل عشقتك دون سابق إنذار، وبعد حماس دام ميلاده عدة أشهر، تجرأت ونجحت في تزيين الورقة البيضاء التي وجدتها في دفترك، بمشاعري وأحاسيسي تجاهك، وكنت قد عمدت كلماتها من قطرات الندى المتناثرة على وريقات روحي لتكلمك وتبوح لك عن حبي، وجلست بعيداً أراقبك ولم أعرف لماذا كنت متأكداً بأنك ستجدينني فوراً من خلال نظراتي السابحة نحوك مع أمواج الأمل لترسو على شاطئ روحك، ولكنني مازلت أتذكر كيف خاب ظني حين لمحت كيف ذبلت عيناك، وعواصف من الحيرة والخجل بدأت تهب على ملامحك واحمرت خدودك، وخيّل للناظر إليك حينها أن الحمى قد صبغت وجهك فشعرت فوراً بالذنب وصوت خفي في داخلي يقهقه بصمت ويعاتبني، وخاصة عندما غادرت القاعة ولم أجدك بعدها لأيام متتالية.
أجابت سائلة وسهام العتاب تنطلق من عينيها:
إذن أنت كنت السبب؟ أنت من فعل بي … !!
سألها والحيرة تلعثم لسانه: ماذا؟
– نعم .. أنت من فجر بركان أنوثتي، وأغلق باب طفولتي، ومحا من ذاكرتي برامج الأطفال ودروس المدرسة وأقعدني على جمر أحلامي .. وأعترف بأن جذور كلماتك التي سطرتها على الورقة تلك مازالت مدفونة في تربة روحي وأشجاني.
أجاب نوار وشعور بالذنب يعصر قلبه:
– نعم أنا من فعل هذا .. نعم أنا ذاك الجبان المتخاذل، حيث بقيت لأشهر طوال لا أستطيع الاقتراب منك، ولاحتى النظر إليك لخوفي من عتابك، حتى عندما كنت تسيرين أمامي كنت أشعر بأنك تشاهدينني وتعاتبينني. ولكن مزاياك التربوية تمنعك من إحراجي، ومع بداية السنة الثانية وجدتك محاطة بمجموعة من الزملاء، شباب وشابات ولاحظت مدى انسجامك وسرورك معهم، فقررت الاختفاء خلف مشاعري، والاحتفاظ بحبي لك بين ضلوعي؛ كيلا أشوه متعة زمالتك وانسجامك معهم، وعشت طوال السنين التي مضت بعدها مع حب خفي في داخلي، وقاومت كل إلحاح أهلي بالزواج.
وسكت برهة وهو يمسح خديه ليزيل آثار دمعة هاربة من عينه وتنهد طويلاً وصمت كالجليد، ليصحو على دفء مشاعره وصدقها وسخونة الموقف وإحراجه، ليتابع مجدداً كلامه:
– ولتعلمي بأنني لم أصرح بحبي لك سوى لوالدتي وأنا على يقين بأنها قد أبلغت والدي، وفي آخر عيد قبل وفاته بأشهر، وبحضور جميع أفراد عائلتنا، أبلغ والدي الحاضرين يومها، برغبته في تسجيل بيت العائلة باسمي وكذلك الأرض الواقعة على طرف البحيرة هدية لي في يوم زفافي، وأكد لأخوتي قائلاً: قدمت لكم كل ما رغبتم فيه ولم أبخل يوماً على أي منكم بشيء فأرجوكم أن توافقوا على ما أنوي القيام به قبل مماتي.
وحينها تزاحمت الدموع في عيني نوار وهو ينظر إليها يطلب عطفها، فتعانقت أنظارهما وتضافرت معاً ورحلت بعيداً دون رجعة.
بعد لحظات تقدم النادل منهما كاسراً جليد الصمت الجاثم بينهما ليسألهما: أترغبان بشيء آخر؟
وداد : كوبان من عصير الليمون الطبيعي.
غادرا المكان وأنامل كل منهما تحاول أن تسرق الدفء والأمان من أنامل الآخر، وتوجها فوراً لوالديها ليرجوانهما الموافقة والمشاركة.
فكانت دموع الفرح وتزاحم الأكتاف وتشابك الأيدي ودبك الأهل مجتمعين يوم زفافهما خير دليل وأصدق جواب.

أضف تعليقاً