نهضتُ، على غير العادة، متحمسا، مصمما.لم انتظر حتى ينادي علي جدي بصوته الغليظ، لأجهز الحمار، واجره ورائي، وهو على ظهره، في اتجاه الحصادين؛ بادرتُ الى ذلك، دون ان اسأله. ربما اعتقد ان ضربات عكازه الاعمى أتت ثمارها، مما كان سيجعلها تنهال بسخاء اكثر، كلما بدرتْ مني علامة رفض. لكن، ماكان ليفعلها بي المسكين مرة اخرى، بعد ذاك الصباح.! ظننتُ اني سأرتاح من جديد، بعد ان اصيب بالعمى، إذ لن يعود بامكانه ان يراني، مما سيتيح لي قضاء عطلة الصيف، كما في العام الماضي، وراء القطيع نلعب في الحصائد، نجبن الحليب من ضرع الشياه والمعز بحليب اشجار التين، ونبني تحت ظلال الزيتون بالاحجار ديارا نقيم فيها اعراسنا الصغيرة؛ لكنه امسكني كالعكاز الذي لايفارقه، وجعلني عكازا ثانيا بعينين. صرتُ دليله في الحقول وراء الحصادين، ولم يعر سمعا لكلام ابي الذي رجاه ان يريح نفسه بعد ان فقد بصره، ويترك جسده المريض يستفيد من الدواء وراحة البال، ويملأ قلبه بالايمان ووقته بالصلاة، وكيف يعير سمعا هو الذي اعتاد كلمته مسموعة، والويل للأذن المتصاممة، فلم يعد احد يسلم من عكازه المسلول دوما، بمن فيهم ابي، ولا حتى جدتي التي اصبحت حفنة لحم ناشف في كمشة ثياب.! لهذا اصر على ان يشرف على الحصاد، كما اعتاد كل صيف، ودفعني امامه، وهو على ظهر الحمار، وراء الحصادين.! ربما كان يستمتع بالاحاديث التي ينسجها مع الحصادين. ربما كان يستمتع ايضا باصوات المناجل على سيقان الزرع..لكني لم اكن استمتع بالمرة حين كان يأمرني بجمع غمر الزرع التي يلقي بها الحصادون وراءهم كيفما اتفق في حزم يسهل جمعها في الشبكة لحملها على ظهور البغال الى البيدر، بل كنت ازداد كرها له، كره كان يتحول حقدا كلما وخزت شوكة حادة اصابعي الطرية. لم اكن قادرا على التطلع الى وجهه الذي تمتد حوله لحية كأنها غابة موحشة كساها الثلج، وتطل منه نظارة سوداء صار يضعها بعد ان فقد بصره، كانت تبدو لي كعيني حيوان من تلك التي ذكرتها جدتي في حكاياتها. كما لم اكن قادرا على الهرب، فعكازته اطول من قدمي. وما كنت لأفهم كيف يتحول ابي الى شبح في حضور جدي الطاغي.! اما حين كان يشتد لفح الحر في الظهيرة، فكان ينسحب الى ظل شجرة، ويقلب قب جلبابه على رأسه ويذهب في قيلولته المعتادة، بعد ان يتناول غذاءه الذي حملته اختي الكبرى مع أكل الحصادين، إذ يصر على ذلك رغم ان بامكانه تناول غذائه وقيلولته في البيت دون عناء اضافي، مادام لالزوم لما يقوم به، واساعده على ذلك طبعا؛ وكذلك بعد ان يتخمني بالاسئلة عن الحصادين، أيهم يغش، وأيهم له ضربة منجل فلاح حقيقي، وأيهم يمسك المنجل بيسراه..الخ، وبكلمة، كان يريد ان يجعل من عيني عينيه المنطفئتين، لكني ما كنت ارى سوى مناجل تلمع في غبش من اشعة شمس حارقة، وما كنت اسمع سوى اصوات الحصادين تتصاعد كقبعة من غناء تتدلى منها ظلال حزينة. كان يبدو وهو يحكي عن حصادين، في ذاكرته، يتزلزل الحقل لضربة منجلهم، وكأنه يحدث نفسه، الى أن تأخذه القيلولة وتغلق فمه المحاط بالشعر كدغل صغير. كان علي ان احرس قيلولته من خوفه من الافاعي. لهذا صار خوفي مضاعفا : منه، ومن الافاعي. ولم استطع منه فكاكا. اصبحتُ ظلا ثانيا له. فكان يخزني فجأة بعكازه ليتأكد من جمودي في نفس المكان قربه.! لكن المسكين الذي أخذه شيء من الزهو بالنفس، حين وجد الحمار جاهزا والهيدورة المعتادة على ظهر بردعته، و ساعدناه على الركوب انا وامي، لم يدرك ان الهيدورة حصير على فم مطمورة كما تقول امي، لهذا لم اتردد حين بلغ الجرف المعلوم حيث يضيق المسلك الى مسرب، إذ توقفتُ فجأة ودفعت الحمار باقصى طاقتي، ولم يكن مروره على حافة الجرف ليتطلب دفعة قوية. فسقطا معا. أسفت للحمار الذي جنى عليه جدي كما جنى علي، لكن الامر كان قد قضي. صرختُ واسرعت باتجاه والدي لأخبره والكلام يتطاير من فمي كرذاذ البصاق. ترك الحصادون مناجلهم واسرعوا الى الواد وراءه ..جلستُ، بعد ان اضعت فردة حذائي، لاهثا من رعب مفاجئ ألمّ بي:
– ماذا لو انه مات، ولم يتكسر فحسب.!؟
لملمتُ انفاسي المتقطعة. إلتفت حوالي..وفجأة صحتُ:
– وجدتها، وجدتها..
– مكتوب، مكتوب، والمكتوب مامنه هروب.! لطالما سمعتهم يقولون هذا عند أي حادث موت او غيره، فلما لايكون موت جدي وحده غير مكتوب.!؟ انه مكتوب. مكتوب.!
قلتها، ونهضت لألحق بهم، بفردة واحدة.!
- الجَد
- التعليقات