نظر، مرات، الى حذائه الباهت.! لم يكن به وحل..والسماء لم تمطر.! لكن رغم ذلك كان ثقيلا كما في الوحل..! هَمَّ ان يخلعه، ويرمي به بعيدا، في الظلام، ويكمل الطريق الى بيته حافيا، فلن يراه احد..! لكن النهار سيلزمه بشراء حذاء آخر. وهذا ما لايستطيعه، ولايريده..!
واصل طريقه بين اشجار الزيتون.مشبكا يديه وراء ظهره، وساحبا خطواته وراءه كذيل ثوب طويل. راغبا عن اشعال مصباحه الذي في جيبه. ممعنا في شتم نفسه والعالم الذي من حوله. مؤكدا لنفسه انت حقير..! روحك الحقيرة مطرٌ اسود، يسيل من مسامك المثقوبة، ويغرق اقدامك في الوحل..! فسِرْ في وحل روحك القذرة.سرْ في الظلام، هذا ما يناسبك ايها المعمي..!).
كان من المفترض ان يكون محمولا على ظهر حماره، في طريق عودته من المقهى، كما اعتاد ان يفعل..لكنه باع الحمار. وبدون علم زوجته..باعه عندما تعذر عليه تماما ان يتدبر مصروف ” الْبَلْيَة”.! كان يعرف ان زوجته، التي تهدده بالانفصال إذا استمر على نفس المنوال، لن تقبل بيعه، وهو آخر ما تبقى لهم بعد ان باع المعزة وابنها رغم علمه انه سيجد صعوبة في توفير اضحية العيد القادم، هم الذين سيكنون بعيدا عن الطريق .لكنه، مع ذلك باعه. وجلس في المقهى، لف سجارة حشيش اولى، وثانية..وبدأ الخِدر يسري ندما في روحه، حيث لاينفع لطْمُ الندم..!
كان يعرف ان زوجته ستكون قد اندستْ في فراشها، الى جانب الاولاد. مما سيجنبه كثيرا من الاستفسارات التي تستفزه..لكن لابد ان تسأله عن الحمار، لانها لن تسمع نهيقه حال وصوله الى الدار، كالعادة..! لهذا ظل مقرفصا الى جانب الباب، مترددا، الى ان تخشبتْ قدماه..ولما طرقه اخيرا، وفتحته زوجته بعين نصف مغمضة ونبرة منزعجة، انسل، هاربا، الى الداخل، علّـها تعود الى فراشها دون ان تسأله..لكنها سألته، بعد ان دلته على نصيبه من العشاء الذي ينتظره، عن الحمار..فاجاب سريعا :
– لقد ربطته في المرجة ليرعى..!
عادتْ الى فراشها..وعاد الى السجارة، بعد ان اكل بضع لقيمات، مزجها بالحشيش بعد ان سخنه، ولفّ ” الجْوانْ”.. وضع رأسه على الحائط، وتمدد كتلة لحمية ناشفة من اي احساس، لابالندم او سواه. فقط نظرة فارغة من عينين معلقتين بقصدير السقف، الى ان غلبه النوم. فنهض، واندس الى جانب زوجته، بعد ان خلع حذاءه..وسرعان ما سحب الخِدْر ستار النوم على جفونه، ونام…
استيقظ، في الصباح، على صوت في رأسه يصيح : اين الحمار، ايها الحمار..!؟ فاسرع، بعد ان بلع بضع لقيمات، الى لفّ سجارة حشيش، ليفتح عينيه..اخذ ” الدَّكَّة”، ونهض خارجا..تحركت الدراهم التي في جيبه واحدثتْ صوتا، صاح معه ابنه الاصغر :
– بابا اعطيني درهما..
ثم بادرتْ زوجته، مستفهمة :
– البارحة لم يكن في جيبك درهم..والآن الحشيش والدراهم..!؟ من اين نزل عليك هذا..!؟
رأى في عينيها اتقادا للشك، وخفض بصره، وهو يسمعها تقول، في شبه غضب :
– أبعْتَ الحمار..!؟ والله…
قاطعها غاضبا، ملوحا بيده :
– لم ابعه..قلتُ لكِ انه في المرجة مربوط..!
– اريد ان اراه، حالا..!
– دعيني ادخن سجارتي هذه، في هدوء، وسترينه..وإلا سترين شيئا آخر..!
– اريد ان اراه..لا اصدقك..!
– سترينه..انهي هذه، وسآتي به لترينه..فقط اغلقي فمك في هذا الصباح..انتِ تعرفينني في الصباح، قبل ان ادخن..!
نظر الى عيون اطفاله، وقد بدأ يرتسم الخوف فيها، من نذر غيومِ عاصفةٍ تتجمع في السماء بين الاب والام..مصّ آخر نفس من ” الجوان”، الذي اوشك ان يحرق اصابعه..ونهض، ليأتي بالحمار، صائحا :
– استعدي لترينه..ها انا ذاهب..!
وتبعه الاولاد، في هرج..
بلغ المرجة..لم يجد الحمار..! بحث يمينا، يسارا.فوقا، تحتا.بين الاشجار، وكاد ان يقلب الاحجار ويبحث تحتها.! ولما تعب، نادى على زوجته، باعلى صوته..وبعد ان اخبرها الاولاد، خرجتْ..فقال لها بصوت مرتفع :
– الحمار مزق الحبل، وهرب..!
لوح بحبل في يده، واضاف :
– انا ذاهب للبحث عنه..!
ومضى..
- الحبل
- التعليقات