أضحت هذه الحديقة مقبرة لذكرياتي ،أقصدها بين الفينة و الأخرى لأتلقى العزاء المتجدد من أوراق أشجارها،تماما كما تفعل العجائز في المقابر يوم العيد؛ تستجدي العزاء من عيون الأرامل.. آلاف الأطياف تتراقص أمام عيني،منها ما هو لي و منها ما هو لغيري ،إنها وليمة تحوي مزيجا من الأحزان و الأفراح،هو يوم مشهود للتضامن العاطفي. مجروحة هذه الأشجار في داخلها.. كم شهدت عهودا نكثت ، و خلوات هتكت؟! مع ذلك تبقى تُظل بتبريكاتها و تعويذاتها المجربة الفعالية..و تعزف هذه النسائم لحنها الساحر..ترى إلى متى سيبقى وريد قلبي لعبة في يد سكينها الماكر الذي يختبئ وراء قناع السذاجة ؟هلا استأذنت بدل مفاجأتها لي كل مرة..
ها هم يجتمعون ككل يوم،يخوضون في كل شيء بحثا عن لحظة يصلون فيها إلى الذروة..لحظة تكون هي الحياة بعينها،سيتخندقون داخل الكلمات،و ستزورهم لا محالة ، و لو بمقدار رمشة عين، ربما ستمر عليهم ظلالها ،فقد عاشوها يوما ما ،سيرجعون إلى منازلهم و هم مغتبطون لأنهم قتلوه ، و دفنوه هناك، أما أنا فككل يوم أحمل الفأس و أحفر بحثا عنه علي أجده ،كي أعرف سر سعادتهم ، أو سر قدرتهم على إظهار السعادة.
الآن و أنا أحدثكم يقترب مجنون ، عفوا ليس مجنونا تماما، فهو حين يجاهد نفسه قد يبدو عاقلا،لا يتجرأ أن يحدق فيَّ، وإنما يسترق النظرات عله يجد شبها بيني و بينه ،يتسول مني فقط مجرد إحساس ،لو يلمسه في عيني سيضع يده على كتفي،أنظر إليه بحدة و قسوة ..يخاف .. يبتعد مرتعدا من جفاء هذا الزمن القاسي.. يظهر رقصة خفيفة ليظهر باحتشام تميزه عني، لا يهمني أمره فأنا أعرف أن هذه الأشجار لا تتحجب دونه..
أقترب من مجموعة من الشباب يمارسون الرياضة ، هي طقوس يتقربون بها إلى أجسادهم اليافعة، و استعراضات أكثر منها طلبا للصحة و العافية ،ينظرون إليّ و كأنهم يطلبون مني مباركة لعملهم هذا يحسبونني من المدربين القدامي ،قد تبدو هيئتي كذلك مع أنني لم أمارس الرياضة مند عهد بعيد..يسعدني أن أبقى بالنسبة إليهم لغزا ، أشعر بالعظمة أكثر كلما تلقيت نظراتها المستأذنة لموافقتي..
في هذه الحديقة كل حدث يترجم ، و لا يقرأ بلغته الأصلية،و ما أسهل الترجمة ! إنها أيسر و أوضح من النص الأصلي.. شيء واحد لم أجد ترجمته؛ لماذا يخرجون من منازلهم، ليعاودوا نفس المحاولات كل يوم؟
أدعي كما يدعي غيري من مرتادي الحديقة أنها تخصني بأنفاسها دونهم، و أني أسمع مناجاتها بلغة اللبن ،لكن هذا يبقى مجرد ادعاء ، حتى أتأكد من صحته لا بد من مطابقة الوشوشات التي تصلني بما عند غيري ، و لكن من يجرؤ أن يبدأ بعرض بضاعته و لا يخشى أن يتهم بالجنون أو الخيانة ؟! و الجنون أقل كلفة..
أتساءل هل يعرفونني ؟ و هل يعترفون بحقي في مشاركتهم هذه الأطياف ؟ أم أنها قسمات سماوية لا دخل لهم فيها ؟ يبدو لي الأمر صعبا نوعا ما ، فأنا أعبر جدران أجساهم إلى أفكارهم بكل سهولة ، و لكن لو كان لهم أدنى اعتراض لكان الأمر خلافا لما هو عليه الآن..لذلك سأتريث في الجزم ريثما تتضح الرؤيا ،في انتظار ذلك سأعيش وفقا لوشوشاتي الأصلية في انتظار الترجمة النهائية..
- الحديقة
- التعليقات