نحفت عامرة وشحبت. غزاها الشيب و اصفر ذلك الوجه الذي كان من شدة جماله يوصف بالقمر المكتمل .زحفت عليه التجاعيد و صار جسدها كومة من العظام . كل ما حل بها جراء الانجاب المتكرر . ستة أولاد و أربعة بنات و لازالت لم تبلغ الأربعين بعد … تكدس الأطفال في منزلها .زوجها يعمل كأجير في الضيعات الفلاحية .يعود في آخر النهار ببعض الدنانير و قليل من القمح أو الشعير كهبة من صاحب الضيعة لجميع العمال. أجره لا يكفي لإشباع بطون أولاده لكنه سعيد وراض عن ما يحدث . الأولاد نعمة و رزقهم على الله . تلك الفكرة تسود كل الأريافK dنجبون و ينجبون ..لا شيء يفعلونه سوى تعذيب أرواح بريئة بالجوع و الفاقة و إجبارها على القدوم إلى هذه الحياة عنوة و دون سابق تحضير.
تعاني عامرة من آلام الظهر و المفاصل كما زاد الفقر من معاناتها ..لم تعرف أبدا معنى الشبع أو الدفء .. رضيت بالشقاء و خضعت لمعيشتها الصعبة و لم تشتك .كل نساء الريف تواجه نفس المشاكل و قد اعتادوا على ذلك.
و لكن دوام الحال من المحال ، هبت رياح الحداثة على البلاد و تولى السلطة حاكم يريد تنظيم الحياة الأسرية كخطوة أولى نحو التقدم و اللحاق بركب الحضارة..
بينما كانت عامرة تحرك العصيدة في القدر
قدمت جارتها سالمة مسرعة ..وقفت لاهثة تحاول التقاط أنفاسها ..
– مابك سالمة ؟ مالذي اعتراك ؟
اجلسي! الطعام شارف على النضج..
همست سالمة :
– دعكي من الطعام ! قافلة التنظيم العائلي تجوب القرى ..فلنلتجئ إليها فربما استطعنا أن نكمل تربية أبنائنا بما تبقى من هذه الأجساد المنهكة..
همهمت عامرة بصوت خفيض:
– و ماذا عن أزواجنا ؟
– هم أيضا تعبوا ..فلنحاول معهم ! لم يبق لدينا ما نخسره .. استمرت عامرة في تحريك الطعام الذي لن يكفي أطفالها العشرة .. خيم الليل على الريف و عاد العمال إلى منازلهم .
مابين العشاء و الصلاة و النوم تنقضي ليالي هؤلاء الفقراء فلا يحيونها بل ينتظرون الموت بقلب قانع مطمئن.. تجاوز الوقت منتصف الليل . القرية تغرق في سبات حتى كلابها هدأت وكفت عن النباح.
صوت صراخ أطفال مذعورين يشق عتمة الليل . هب كل من بلغت أذناه الجلبة و الضوضاء إلى نجدة المستغيث .. أمام بيت عامرة تجمع رجال يحملون قناديلا و هراوات ..إشاعة السفاح الذي يقتل الأطفال لا تزال عالقة بالأذهان . تسلح المنقذون بما لديهم .بحثوا جيدا . اقتحموا الغرفة الوحيدة التي تأوي الأطفال و الأبوين .. لا شيء سوى أطفال دب الرعب في نفوسهم يحاولون إيقاظ أمهم و زوج يبصق في الأرض و يردد بصوت مغلف بصدأ زمن موغل في القدم :
– حرام ! حرام !
الفاسقة ! بنت الكلب ! تفووه ! ……

أضف تعليقاً