القصة للكاتب نازك ضمرة
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
أعتبر هذه القصة التي قضيت ليلتي مع شخصياتها من بين أجمل القصص التي حللتها منذ أكثر من نصف قرن، كتبها نازك ضمرة عام 2004، وحتى اليوم لم يتكلم عنها أحد.
التحليل
سيقارب نقدي المنقود ليس تبعًا لما تقترحه المعاني التي تمتلئ به، لسبب بسيط ألا وهو أن هذه المعاني (وكل العناصر النسقية) تقوم على فراغ يجب عليّ ملئه، لا لأصل إلى فهم هذه المعاني، فهي مفهومة، رغم اختلاف فهمها من قارئ إلى آخر، وإنما لأكتب نصًا مغايرًا للنص الأصلي ومطابقًا له في إطار الممكن. لتحقيق ذلك، سأعرض أولاً للحركة الخارجية في قصة “صعلوك” لنازك ضمرة، بكل تعرجاتها التعبيرية والوقائعية، ثم سأسعى ثانيًا مع الحركة الداخلية من وراء العلامات والرموز لأملأ بها بعض المعاني.
الحركة الخارجية: الوقائع
للوقائع وظيفة انتقالية، ترتبط كل منها بمكان داخل مكان:
“غرفة على شارع عام غير معبد –تبدأ القصة بهذه الكلمات- يكثر التراب فيه والغبار ، وباب عيادة الطبيب مفتوح ، أدخل وأرد السلام ، يجلس خلف منضدته قرب المدخل ، يحادث الطبيب نفسه دون أن يتنبه لي ، يشير إليّ بيده للانتظار في غرفة في آخر المبنى مروراً بممرّ سيئ الإنارة، غرفة بلا باب ولا جدار فاصل عن مكان عمله”.
ملحوظة أساسية: يمارس السارد لعبة الكلام تحت كل الأبعاد اللغوية والدلالية والنحوية، فلا يربكك قوله بضمير المتكلم “أدخل وأرد السلام” ومباشرة بعد ذلك عن الطبيب بضمير الغائب دون أن يحدد كونه الطبيب “يجلس خلف منضدته”، وفي أمكنة أخرى سيستعمل نفس الأسلوب عن نفسه.
يبدأ السارد إذن بالغرفة، وينتهي بالغرفة، لنستنتج أنه كان في الغرفة، وعاد بالوقائع إلى الوراء: شارع، عيادة، مدخل، ممر، غرفة انتظار بلا باب أو جدار. المكان هو بالأحرى أمكنة مفتوحة على بعضها، مكان هيولي دون أبعاد، وكأنه معلق في الفراغ. تنتقل الوقائع بالمكان، وينتقل المكان بالوقائع.
التعابير
للتعابير وظيفة اصطحابية، يرتبط كل منها بحال تلو حال:
“حاولت الوصول إلى كرسي في الزاوية البعيدة ، أواني معدنية ضخمة كانت في الطريق ، جربت تحريك واحدة منها، لكنها كانت ثقيلة ، تذكرت أن قريبنا ظلّ ينتظر خارج المبنى ، أما الطفل فظل ممسكاً بيدي ، بل شددت قبضتي على يده لأضمن عدم مغادرته ، فهو نشيط لعوب متوقد الذكاء في العبث والأمور التي تتعلق باللعب”.
يلجأ السارد إلى التقنية نفسها بخصوص الوقائع، عندما يعود بتعابيره إلى الوراء متذكرًا قريبه الذي بقي بانتظاره في الخارج، حال أولى، وذلك لِيُدْخِلَ عنصرًا بنيويًا آخر، حال ثانية: الطفل، الذي كان هنا منذ بداية القصة دون أن نراه بما أنه ظل يمسك بيده. تصاحب التعابير الحال، وتصاحب الحال التعابير.
الوقائع
تتحرر الوقائع من قيود النص الكلاسيكي، وتسلك نهج التطور اللامنطقي للأحداث كزمان داخل زمان، من الحاضر إلى الماضي، عند الحديث عن القريب المنتظِر في الخارج، ومن الماضي إلى الماضي، عند الحديث عن الزوجة:
“زوجتي وأنا تناولنا جرعة من نفس الدواء ، كان ذلك مساء الأمس ، ثم تناولت هي جرعة ثانية من نفس الدواء صباح اليوم التالي ، اشتكت زوجتي من مغص في الليل وقرقرة ، حاولت الوقوف صباحاً فأحسّت بدوار، ومع ذلك تناولتْ جرعة الصباح ، معتقدة أن الدواء سيخلصها من الآلام التي أقضّت مضجعنا في الليلة السابقة، تراخت أكثر بعد الجرعة الثانية فلزمت الفراش ، وبعد عصر ذلك اليوم خشيت الليل وآلامه، فقررت الذهاب إلى الطبيب شاكياً من آلام في أمعائي”.
الحاضر (وجود السارد في العيادة) والماضي القريب (الرجل المنتظر في الخارج) والماضي البعيد –ليس بعيدًا جدًا- (السارد والزوجة المريضان)، زمان كالمكان يتشكل من أزمنة مفتوحة على بعضها، زمان هيولي دون أبعاد، وكأنه معلق في الفراغ. تنتقل الوقائع بالزمان، وينتقل الزمان بالوقائع.
التعابير
كالوقائع تتحرر التعابير من المنطق التقليدي في النص الكلاسيكي، وترتدي الثوب الإشكالي في اللحظة التي تأخذ فيها نهجًا مضادًا في الخطاب عندما نقرأ باقي الفقرة السابقة:
“دعوتها إلى مرافقتي لزيارة طبيب سبق وزرته مرات من قبل ، وألمي لم يتوقف ، حاولت زوجتي إقناعي بعدم زيارة الطبيب ، لكنّ إصراري كان أقوى..”.
ذهاب السارد عند طبيب سبق وزاره مرات –لاحظ الإلحاح على مرات كعنصر دال- وألمه لم يتوقف، ومع ذلك يصر على زيارة الطبيب، رغم محاولة زوجته إقناعه بعدمها، وسنعرف في مكان آخر أن الطبيب لعلاجه وصف الدواء الذي وصفه لصديقه منذ سنوات، فالدواء نفسه لكل المرضى ولكل الأوقات. إنه المنطق العدمي المرافق للنص من الكلمة الأولى حتى الكلمة الأخيرة، عدمي تحت مفهومٍ موحٍ لضد عدمي (كينوني)، وفي السياق الذي نحن فيه لانتقال طبيعي خارج عالم غير طبيعي. تصاحب التعابير الخطاب، ويصاحب الخطاب التعابير.
تعرجات
بالإمكان مواصلة التحليل بالطريقة نفسها فقرة فقرة حتى نهاية القصة، لكني سأكتفي بمنطق اللامنطق للحركة الخارجية مشفوعًا ببعض الأمثلة، مع ملاحظة أن اللامنطق هنا غير مطروح على الإطلاق كلامنطق، وهذا برأيي سر ثراء النص:
“حين دخلنا البقالة لم نعثر على المرأة التي شاهدناها تدخلها، والمحل واسع ومتشعب ، ولا يوجد إلا زبون آخر، شاب يبحث عن دخان أصلي أي أجنبي ، بعد خروجنا أدركنا أن الدقائق أصبحت مهمة ، حلّ الظلام على منطقتنا بسرعة لم نكن نتصورها من قبل، والسير فيه صعب ومخيف، المهم أن نجتاز هذا الظلام، تشعبت المسالك ، جادلني رفيقي أي فرع نسلك ، فاختلفنا ، وسلك كل منا فرعاً ، واتفقنا أن ينادي الواحد منا على الآخر إن وجد منفذا سليماً ، ضاع رفيقي وغاب ، مات رحمه الله ، ربما كنت أحلم أو أنه مات منذ زمن بعيد ، فهل يمكن أن يعود ، ولو في يوم عيد؟ ، ارتاح ولن يعود ، أنا ضائع ومشكلتي الكبرى وجود الطفل معي، والدواء السائل في جيبي أصبح يضايقني ، يملأ زجاجة كبيرة منتفخة وثقيلة”.
لنلاحظ أولاً وقبل كل شيء أنهم يدخلون البقالة للمرة الثانية، وقائعيًا يعيدنا السارد إلى لحظة انتهت، لكنه يريد أن يدلل تعبيريًا على عنصر المكان الهيولي الذي يخترقه من أية جهة وفي أية لحظة، وكأنه مكانه الشخصي، وكأن المكان شخصه، إنه يحرجل (يتصعلك) فيما حوله، فيما هو خارجه، وفيما هو داخله، وكأنه يحلم، كما يقول، وكأن الموت والحياة شيء واحد. في عالم على هامش العالم، يصبح الضياع مطلبًا، لكن عبث الوجود يظل مطاردًا لموضوعه، حتى الطفولة تغدو عبئًا، حتى قنينة الدواء يصبح حملها مشكلة عويصة.
الحركة الداخلية: الرموز والعلامات
البطل، أو، السارد، في رمزه، هو نفيه الدائم لأي رمز، إنه اللابطل، ليس بالمفهوم الكلاسيكي للابطل، ولكن بالمفهوم اللغوي، فهو في النص عبارة عن نظام سردي، لا يُرى رغم حضوره الكلي، يملأ ويمتلئ، لهذا يتكلم عن نفسه بصيغة ضمير المتكلم تارة وبصيغة ضمير الغائب تارة، وبهذه الطريقة تنبني السردية، ينبني في السرد. إنه كل شخصيات القصة، هو الزوجة، وهو الابن، وهو الصديق، وهو الطبيب، وهو العراقي، وكل واحدة من هذه الشخصيات لا ترمز لشيء، ولا تمثل شيئًا، رغم أنها مجسمة لعناصر سردية، فتتفجر إنسانيتها بشكل عادي في وضع غير عادي لحركة داخلية عادية للشخصية (للشخصيات) حركة هي في الوقت ذاته حركة النص، أو، بكلام آخر، حركة التحول السلبي/الإيجابي للنص:
“وجد الأب وطفله نفسيهما على سطح عمارة تتصل بمباني أخرى ، والشارع الذي كانا يسيران فيه أُقفل بركام من حصى وتراب ، ظنها الرجل عمارة انهارت فوق قاطنيها فأقفلت ذلك الدرب الضيق ، كان يكفي لمرور سيارة ولشخص ماش بجانبها ، ثلاثة أمتار أو ثلاثة ونصف ، اضطررتما للمرور عبر ممرات ودهاليز ضيقة وملتوية، لا بد من المرور على سطوح منازل قديمة رجراجة ، مقامة على أعمدة خشبية متآكلة أو معدنية صدئة ، والمشي تحتها أو قربها أو فوقها خطر ومخيف ، والطفل مشكلتي الكبرى ، يتنبه الطفل المحمول المتشبث بعنقي إلى نافذة صغيرة ، يبدو نور ضعيف من خلالها ، تهلل وفرح، يستند الأب على جدران وعوارض خشبية هزيلة وقضبان معدنية صدئة ، حتى بلغا النافذة الثمينة ، لاحظ كتابة فاهية على خشب النافذة ، جاء فيها (نحن عراقيون) أطل منها شبه إنسان ينطق بلهجة عراقية، سمعته يقول ، (مختبئون في هذا الكهف لسنين)، لم أفهم قوله ، بل ازددت تخوفاً واضطراباً ، سألني طفلي إن كان يكلمني ، لم أجبه ، نظر خلفه ليتأكد أن لا أحد من جماعته يرقبه ، ثم أكمل ، لو كنت أعلم أنكما تستطيعان الوصول هنا ثانية لما ظهرت لكما ، لكنه الطفل ، نعم ، الطفل فقط ، ومن أجل الطفل ، وحين لاح وجهه لنور السراج الضعيف ، بدت عظام وجهه ناتئة ، لكن شواربه طالت ، مسدها وفتلها رفعها على الطريقة التركية ، سقطت سِنّان من جانب فمه العلوي ، فأثر ذلك على صحة نطقه قليلاً ، لكن ثقته بنفسه عالية ، والنخوة بدت جلية عليه والتفاؤل ، سبق الطفل أباه في طلب المساعدة ، ليدلنا العراقي على منفذ كي ننزل عن سطوح المباني القلقة ، قال الطفل له: لا أحب أن أمشي على سطوح مباني متهاوية يا عمّ ، فهل ستساعدنا؟ ترك الأب ابنه بتكلم على هواه ، وحين توقف أضاف الأب:
- لا شك أن زلزالاً أو مصيبة حلت بتلك البيوت ، ألا تحس باهتزازها ، كلها آيلة للسقوط ، فهلا ساعدتنا يا بني كي نسرع الخروج”.
يبدأ السارد بالحديث عن نفسه وولده بصيغة ضمير الغائب “وجد الأب وطفله نفسيهما…”، ثم يخاطب نفسه وابنه بصيغة المثنى “اضطررتما للمرور عبر ممرات…”، ثم يتابع بصيغة ضمير المتكلم “والطفل مشكلتي الكبرى…”، ثم يعود إلى صيغة ضمير الغائب “يستند الأب على جدران…”، وهكذا إلى ما لا نهاية. وكل هذا في جو رؤيوي يتفجر (يتهدم) بالعلامات التي تشير إلى نهاية العالم، وكأن شرط ملء فراغ المكان بهدمه، حتى الشاب المنقذ العراقي الذي يحتاج إلى من ينقذه مما هو فيه يأخذ شكل المكان الذي يعيش فيه (عظامه الناتئة شواربه الطويلة أسنانه الساقطة). كل الفاجعة العراقية تتراءى في هذه الرؤية، كل الفاجعة البشرية تتتالى محطة بعد محطة في هذه التتالية، كل فاجعة النص تنزاح انزياح البنى التي يتشكل منها، أقول بنى لتعدد التقنيات وتعدد الأساليب وتعدد الموديلات، ولكن قمة كل هذا، التي تعيد هدم النص لتملأ فراغ النص من جديد، هي العبارة الأخيرة: “وأنت تنأى عنه (عن الشاب العراقي)، تحاول عدم الالتفات إلى الوراء ، ولا إلى كل ما صار ، قلتَ لنفسك ، لا تدري أن الطريق طويلة أمامك أم خلفك”.
باريس الثلاثاء 2014.11.25