يحكم حزم أسمال بؤسه و جنونه الصفراء على ردفيه ، يمرر راحته المتشققة فوق لحيته الكثيفة . يقاوم شغب يرقة الخبل في تلافيف دماغه ! يتظاهر بالتعقل ، يحشر نفسه بين الحشود ، يتخطى رقاب الناس ، على بعد خطوة تقريبا من أريكة الراوي يقعى كالكلب ،يبتعد عنه بعضهم هروبا من رائحته الكريهة! يفتح بالوعته عن آخرها يتثاءب ، يظهر منها السقف و اللثة ! يشد بتلابيب العبد الأسود ، تسيل عبرة الأدهم ، يحمحم ! مرتعبا : يلف قفاه بكلتا راحتيه ، يحتمي من سطوة الرماح : صدر الأدهم كفيل بها ، في منطقه المخبول ! يمعن العبد في الفتك : مائة فارس يمينا ومائة صنديد يسارا ! الصارم يضيء مثار النقع : شهب تتهاوى في ليل حالك فوق الرؤوس !
يبالغ في دغدغة شعيرات لحيته الشعثاء المخضبة بلون الحناء . تغرد ذبابة مشاغبة خارج السرب وتشرد ،سوء حظها يقحمها في جعبة خيشومه النتن ، تتيه في متاهات تجويف أنفه ، وتضل طريقها ،يفتح عينا ويسد الأخرى ، يمتص الهواء الأغبر، يعطس : آ آ تسي ! آ آ تسي ! يلفظ المسكينة ملفوفة في سائل لزج يميل إلى صفرة خضراء ، يجس نبضها بعود يابس . يتأكد من موتها اختناقا ،يقهقه عاليا . تلمع أسنانه النخرة في خرابته ،يراقص ساديته فوق جثة القتيلة !
يحشر جمجمته المسطحة في ( قدر معدني ) قديم حد الأذنين ! يقيه من حجرة طائشة أو مقصودة !يغنم العبد الأسود ألف ناقة حمراء ، يملح الغنيمة بسبايا عربيات ، جاهليات ،جميلات ! يقطع مسيرة أربعين يوما في صحراء الربع الخالي، الرمال المتحركة ، أمواج عاتية مخيفة : داخلها مفقود والخارج منها مولود ! يداعب الراوي الهواء بعصاه ينسى نفسه ،يلبس عباءة العبد الأسود ،يعتقد أنه طرف في المعركة ،يتلذذ الحشد بهذه الإنتصارات ويتبرم من الهزائم .
نحن كنا خارج بناء الحكاية . كنا نريد أن نكسر أسطورة لعوينة ،ونحطم صورته ، نمعن فيه النظر ، وكأننا في حضرة عارضة أزياء ! (الحسين/ لعوينة ): فقد عينه اليمنى في معركة شرسة مع أخيه التوأم ( لحسن) الذي مات إثر صعقة كهربائية منذ سنوات ! كان يسرق التيار الكهربائي من عمود عالي التوتر ، لإنارة مغارتهما في غابة (عين عيشة ) شرق مدينة وادي زم !
تعودنا رؤيته من زوايا أزقة ودروب المسجد العتيق الضيقة : من حين لآخر نهديه حجرة أو شتيمة أو أي شيء يستفزه ، فنؤدي الثمن باهضا .شراسته تغير مجرى الدم في عروقنا ، وتجعل قلوبنا تركل بين أضلاعنا ، إنه لعوينة : نحسب له ألف حساب : شرس ،قوي ، و أحمق ، كل أسباب الرهبة والخوف تتوفر فيه ! يشعر بأعيننا إبرا تخيط جسده وتجتاحه في كل جزء من رأسه إلى أخمص قدميه ،لكنه يتجاهلنا !
يلتفت أخي نحونا وكان لتوه أنهى قراءة رواية (ساعات في الجحيم ):
– هاه ! هاه ! هاه ! ،لعوينة يضع خوذة على رأسه كأنه في ساحة القرطاس! تنتشر هذه الكلمة ( القرطاس ) كالنار في قش يابس :
– قرطاس ! قرطاس ! قرطاس !
يتظاهر بانشغاله بأحداث العنترية ! نمعن في استفزازه :
-قرطاس ! قرطاس ! قرطاس !
تسري ضحكات مكتومة في جميع الصفوف! نخلخل انتباه الحشد ! يشعر الراوي أنه سيتلف رأس الخيط و النهر سيغير مجراه ! يهددنا بالطرد من الحلقة ! يسود الصمت ، تستمر الحكاية ، يبتلع الراوي فوضى الحروف المتنافرة ، يصعب عليه ترتيبها ، من حين لآخر يسهل مرورها بجرعة أوجرعتين من الماء ، يتبعها بكحة أو كحتين لتعبيد الطريق للكلام !
يعيد أخي الكرة ، يتحرش بلعوينة :
-قرطاس ! قرطاس ! قرطاس !
يشعر أن السيل بجرأة يتسلق منحدر جبل، فيرد عليه بحنق شديد :
– يضرب أمك للقلب ! يضرب أمك للقلب ! من فمك لقلبك !
يستنتج أن ( القدر المعدني ) فوق رأسه هو سبب تحرشنا به ، يزيله ، يضعه تحت مؤخرته ، تنعكس أشعة شمس الأصيل على صلعته يغوص أخي في نوبة ضحك هستيرية و هو يصيح ويضرب الأرض بقدميه غير مبال بتأفف وتضجر الحشد :
– وا لقرع بارو ، بارو ! جباذ لخرى بظفارو !
يثور الراوي في وجهنا ، تهوى علينا الأحذية من كل حذب وصوب ،
نتسلل كالفئران من بين الحشود ، تلفظنا الحلقة تحت وابل من اللعنات والشتائم ، نسابق الريح طمعا في النجاة ، وإفلاتا بجلودنا ، يستجمع لعوينة قواه ، يقتفى أثرنا ، سينتقم منا لا محالة. تبتلعنا تلك الأزقة الضيقة ، تمتصنا الأرض , يدور كالخدروف في كل الاتجاهات ! يتوعدنا ، ويقسم برأس أخيه التوأم (لحسن ) أن يدق أعناقنا كالدجاج ! يسند لعوينة ظهره للحائط ، ويهوي على الأرض ، يلهث كالكلب ! تخبو عبارات الاستفزاز وتضعف ، ويبتعد أخي :
-القرطاس !القرطا ! القرط………..!
فيرد بصوت مبحوح ومتعب :
-يضرب أمك للقلب ! من فمك لقلبك !
في بقايا خرابة في رأس الدرب يعثر ولد الحداد على جسم غريب ، شبيه بظهر السلحفاة ، ننشغل به ، نتفحصه ، لم يسبق لنا ان رأينا مثل هذه اللعبة التي لم تفقد طلاءها بعد ،لكنها لعبة مشبوهة !
في غفلة منا يلتف علينا لعوينة من زقاق ضيق جدا ليست له مخارج ،يحاصرني في زاوية مغلقة ، يسد علي كل المنافد ، أتمسك بالحائط كالمصلوب ، يقف أمامي ماردا ضخما ، تجتاح السخونة فخذي ، يمتليء حذائي بالبلل ،يلصق عينيه بالأرض ، يدور حول نفسه دورة كاملة كالإعصار، يسدد لي ركلة في فم المعدة ،ويعالجني بلكمة قوية على الصدغ ، أفقد توازني ، و أسقط أرضا أتلوى كالحية من الألم ، يستدير بسرعة ، وتمتصه الأزقة الضيقة ، أجمع عظامي وأروح في نوبة نحيب مكتوم ألعق جراحي كالكلب المسعور قبل تجاوز عتبة الباب يفاجئني والدي:
-ما بك يا ولدي ؟ حالك لا يعجب !
– لقد ركلني (لعوينة )في فم المعدة !
ضحك أبي حتى كاد يستلقي على قفاه وقال ساخرا :
– حصل خير يا ولدي، لا زلت حيا ، لقد صدمك قطار !
بسرعة البرق حزمت أمي قفطانها على خصرها و أطلقت ساقيها للريح تبغي خرابة رأس الدرب .
صاح أبي مندهشا :
-ما بالك يا امرأة ،؟! ماذا وقع ؟! هل جننت أم أصابك مس ؟!
-ولد الحداد ! ولد الحداد !
ما باله يا مجنونة ؟!
– ولد الحداد : عين و خمسة أصابع في جرعة ماء !
وتبخرت كقطرة ماء فوق صفحة حديد ساخن ، في متاهات المسجد العتيق !
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
للتوضيح : القرطاس هو الرصاص الحي في العامية المغربية
لخرى : البراز
- الحسين لعوينة
- التعليقات