في ليلة شتاء بارد ولد أمين .. هللت العائلة بمجيئه …. زغردت الجدّة و نبحت الكلاب و سارع العم صالح بذبح خروفه المدلل الذي يزين به الزريبة … و هو الوحيد الذي يمتلكه لمواجهة الشدائد … فالحياة غريبة الأطوار ..ولا يمكن لأحد أن يتوقّع ما تخفيه الفانية …
البرد يتزايد في تلك الليلة الظلماء و عائلة العم صالح تواصل الاحتفال..كيف لا و ” أمين ” هو الولد البكر الذي جاء و معه بشائر السعادة و الحب و الهدوء كم انتظر العم صالح ولادة هذا الصغير ؟ و كم من مرّة هجر زوجته ” صابرين ” بتعلّة حان موعد طلاقها و تغييرها بامرأة أخرى ولّادة تنجب له عدد من الصبيان و الصبايا يملئون البيت صخبا و ضجيجا ….تتوسّل له المسكينة راجية الصفح و كأني بها تعلن عن جريمتها و هي التي لم تجرم قط ّ … تخاف أن تخرج من أغلاله فتلتهمها الذئاب الجائعة .. إنّها لا تملك في هذه القرية النائية لا قريبا و لا بعيدا …لا تعرف لا عطّارا و لا سقّاء و لا سائق عربة أجرة … مسكينة هي ” صابرين ” ترى الدنيا في عيون زوجها العم صالح ..
ذات ليلة حلمت بأنها ستخرج من بيت زوجها رغما عنها و أنّها ستعيش أيام قاسية .. لن تجد رفيقا و لن تأتي جارة حتى تسخر منها أو تتباهى بأطفالها السّبعة … تصبّب جبينها عرقا و أفاقت مفزوعة و هي تصيح مردّدة : ” لا …لا …لا ….لن أترك منزلي ….”
نهض العم صالح من نومه العميق و تأمل زوجته المسكينة …قدّم لها كأسا من الماء ثمّ أنار القنديل الزيتي و همس في أذنها كأنّي به يواسيها الفاجعة قائلا : هدّئي من روعك حبيبتي و زوجتي الغالية فأنت غطائي الشتويّ و فرحي الصيفي … أنت كل وجودي ..أنت حلمي و طموحي…
لم يتم كلامه بعد حتى بدأت تقصّ عليه حلمها المزعج …و هي لازالت ترتجف خوفا …
ابتسم العم صالح ثم واصل كلامه قائلا : ” ههه الأحلام ترد بالعكس دوما …. ربما يكون حلمك بداية البشر …ربما الفرح قريبا سيدقّ باب منزلنا …ربما القادم أفضل و سيحقق لنا رب الكون سبحانه و تعالى ما انتظرناه منذ سنوات عشر خلت …
صمت يخيم على الغرفة الصغيرة …و مرّت الأيام أحسّت “صابرين ” بألم شديد في بطنها .. مما جعل العم صالح يجهّز حماره و هواجس الخوف تصاحبه …ما الذي أصاب قرّة عينه ؟ ما سبب تلك الآلام الحادّة المزعجة ؟ هل يستطيع حماره قطع المسافة في أسرع وقت ؟ هل سيخبره الطبيب بأن زوجته بخير و يمكنهما العودة إلى منزلهما الصغير في الغابة هناك …؟ أسئلة كثيرة تواترت في ذهنه …و لازلت تدغدغ باله طوال الطريق …مرّت اللحظات و الدقائق و كأنها ساعات ..و العم صالح يشتم حماره تارة و ينهره طالبا منه المزيد من السرعة … لقد وصلا القرية بل قل وصلا عيادة الدكتور جينيور الذي استقبلهم بابتسامة الوليد …فيا ليت تلك الابتسامة تكون بداية المشوار … ساعد زوجته حتى تمدّدت على السرير المخصّص للمرضى .. ثم خرج حتى ينظر إلى مربط حماره و ينتظر قرار الطبيب بعد عملية الفحص …
خرج الدكتور جنيور و على ملامحه علامات الارتياح قائلا بصوت منخفض :
– ” حمدا على سلامة زوجتك …”
– شكرا دكتور ….ولكن ماذا أصابها .. لماذا تتألم … إنها المرّة الأولى التي أراها على تلك الحال
– الحمد الله …ألام المخاض تلك .. و الآن سأدعو الممرضة حتّى تساعدها على وضع مولودها …لا تخف ستكون بخير إن شاء الله
خرج العم صالح ينتشي … يرقص …يدور في الفضاء كمن أصابه جنون … هل صدق الحلم ؟ و هل سيصبح أبا صالحا ؟ هل المولود ذكرا ؟ سيكون حتما كأبيه شجاعا قنوعا صبورا …أم بنت ستكون جميلة رقيقة كأمها تماما صامدة …
مرت الساعات و جاء ” أمين ” و تحوّل البيت إلى روضة من رياض السعادة و الفرح .. بدأ يكبر و يكبر حتّى اشتد عوده و أصبح شابا متميّزا خلقا و أخلاقا متفوّقا في دراسته …يريد أن يصبح طبيبا جرّاحا حتى يساعد أهل القرية و ينقذ مرضاها …يريد أن يرسم ابتسامة عريضة على شفاه والديه …يريد و يريد
- الحلم
- التعليقات