مساءاتها الخاصة التي تدك بها معاقل الوحشة بدأت تمد رتابتها على خطواتها التي أخذت تتثاقل في سيرها ، هذا هاجس أولي لبدء العد التنازلي نحو أرذل العمر ، كل مساء تخرج إلى ساحل النهر/ ساحل المحبة والتأمل والكبرياء الذي يمتد أمام بيتها ، صار طقسا ً خاصا ً بها مستأنسة بمجرى النهر وهو يدفع موجاته الصغيرة التي تحمل على ظهرها ما طاف من قصاصات الورق وقطع الأغصان والأخشاب التي ترتطم بحافة النهر تغطيها رغوة خفيفة وكأنها تريد أن تستريح قليلا ً ، سناء تحمل وزر نزهتها على الشاطيء بصلف وغرور ، كلما استرسلت بجلستها قاطعها عبود الأهبل ، كل ظنه أنها تحبه ،يشجعه البعض على ذلك ، هذا اليوم انحدر عبود الاهبل كمن واعد حبيبته بعد فراق وما نزوله إلى النهر إلا ليلتقي سناء ، كان الزمن يمثل انكسارا ً وفرحة اليهما ، الزمن أيام متراكمة وساعات مفتوحة لا تستقر عقاربها على رقم حتى صارت ركاما ً من القنوط والتأمل والفراغ والاندثار ، نزلت سناء الى النهر ، توهجت سيقانها وانعكس بعضا ً منها على صفحة الماء تلمع كالسيف ، مدّتْ يدها إلى قاع النهر حتى لامس حنكها سطح الماء ، خرجتْ ممسكة حفنة من الرمل ضربتها بقوة على سطح الماء فشكلّتْ مجموعة كبيرة من الدوائر الصغيرة المتشابكة سرعان ما تلاشت ، عادت الكرة مرة أخرى واخرى بعصبية واضحة مما أضطر عبود إلى أن ينزل إليها :
– ما بكِ يا سناء ؟ عم ّ تبحثين ؟
التفتت إليه ، نزلت ْ بنظراتها من هامته إلى أخمص قدميه وكأنها تقوم بمسح ميداني على هيكله الموبوء بمحبة فطرية مستسخفة ً سؤاله واقترابه منها ، طأطأ رأسه وانسحب دون أن ينبس بكلمة – هل من المعقول أن عبود بهذا القدر من المشاعر كي ينسحب خجلا ً محتويا ً نظراتي إليه بهذا الشكل – فجأة نادت عليه: عبود ، هبل ، مبتسمة ابتسامة عريضة بين التصنع والاستخفاف به ، لكنه لم يصدق ما سمع .
– عيون عبود.
– تحبني؟
– ها صحيح ! تضحكين عليّ؟ أموت عليك ، اضحكي عليّ.
– صحيح !لا..كذّاب .
– أنا كذاب يا سناء ! أنا..أنا .
سحبتْ أنفاسها وانهالت على عبود بالأحاديث ، أنت تعرف ياعبود كم أحب تشكيلة الدوائر على سطح الماء ، أنها تمثل مولد شيء وموته بعد لحظات ، كم نتمنى أن تظل الدوائر مرسومة على سطح الماء مثلما نتمنى أن يتوقف بنا العمر حتى لا نكبر ، لانشيخ ، لكن هذا مستحيل كل شيء يتلاشى حتى البشر – هل يستوعب عبود هذياني – لماذا يسمونه الهبل إذن؟ اظنه يستوعبه ، بعد هذه الصفنة القصيرة استأنفت :رميت حجارة في منتصف النهر ياعبود ولأن خاتمي عريضا ً على إصبعي ذهب مع الحجارة واختفى الثلاث ، الحجارة ، الخاتم ، الدوائر ، ولك أن تتصور ياعبود حزني على الخاتم – هل يستوعب عبود هذياني – أنا أحب هذا الخاتم حد الجنون لأنه هدية من أعز الناس لي ، هذا خاتم محبة وجاه ، سأموت على الخاتم ياعبود ، صحيح أنك غواص ماهر كما يقول الناس ؟
– نعم بأمكاني البقاء ساعة كاملة تحت الماء أتنفس كالسمكة .
– إذا عثرت على الخاتم وجلبته لي سأعطيك شيئا ً لا تصدقه .
– ماهو الشيء أنا لا أصبر .
– سأتزوجك .. ألا تسمع ؟
– ومن أين لي المهر والبيت ؟
– الخاتم يعوّض عن كل ذلك .
– سأسخر الأسماك والسلاحف وكل ما يعيش في الماء لمساعدتي .
خلع عبود دشداشته الرصاصية المقطعة الأزرار دائما ً ، خلع جزء ً من حياته ،موجوداته ، سذاجته ، صدقه ، نزل إلى الماء ، أخذ يبتعد عن الساحل شيئا ً فشيئا ً ، بدأ يصغر ..يصغر ، لم يتبق من جسمه إلا فروة رأسه التي تشبه كربة نخل طافية ، غطس ،أخرج رأسه ثم غطس مرة أخرى ، ظلتْ سناء تنتظر عند الساحل ، انقضى المساء ومدّ الليل نفوذه على آخر الإشعاعات المتبقية من نهار رتيب ، ظلتْ ترتجف وهي تتوجس خيفة من أمر سيء وصار لون الماء اسود ولم يظهر منه أو عليه شيئا ً سوى تموجات صغيرة تلمع عاكسة على صفحتها بعض مصابيح الشارع العام من الجانب الآخر للنهر ، مضت ْ الليلة ثقيلة ، قاسية ، مشبعة بكوابيس وهواجس وأماني وأحزان – كثير من العقلاء يخدعونا بصدقهم المزيف ، عبود فقط هو الصادق ، فطري ، ان عاد بالخاتم أو بدونة سأتزوجه ، ولكن حديث الناس ، ليقال ما يقال .. يارب بدأت أحبه فعلا ً ، الآن عبود في قلبي – أراه يغوص يبحث في أشياء بعضها لا يعنيه ، يريد أن يصيد الحقيقة ، يبحث عن مستقر ينام فيه ، باتتْ ليلة سوداء قاسية ، خرجت ْ صباح اليوم التالي إلى النهر ، ظلتْ تتأمل حتى تربعت ْ الشمس على عرش السماء ،- أسأل من ياألهي ؟ وماذا سيقولون لو سألتُ عنه – انقضى يوم ، يومان ، ثلاثة كأنها سنين ، في اليوم الرابع تفشى الخبر في المدينة كالوباء حين عثر الصيادون على عبود طافيا ً وبيده الخاتم ممسكا ً به بقوة …
- الخاتـــــم
- التعليقات