على صفحة مساحيق وجهك تنبش عيني بحثا عن نقطة أواري فيها حزني ، فإما أنني ما زلت تلميذا غير نبيه لذلك الغراب الذي علم الإنسانية الأولى فن طمس الجريمة، أو أن تلك البراكين التي تثور في وجهي من مسمات بشرتك قد خمدت ، وللأسف الشديد فقد ضاق وجهك عن الجريمة الآن، وقاتل مائة نفس الذي كنت تعرفينه لا يمكنه إلا التراجع في هذه اللحظة عن قتل المزيد من الأرواح ، لقد بحث طويلا فلم يجد سوى نتوءات صارت قبورا لابتسامات كانت تدوي كفتوحات بعبق الجاوي ،فالخيوط التي حبكت بساط الريح انسلت ، و لم تبق إلا خيوط عنكبوت عقيم لا يجد ما يلتهمه .. اللاحدث يلخص مناوراتك لاسترجاع العرش،تنتظرين نسائمك تهب كي تغتنميها، و لكن ما هي إلا رياح عاصفة ممزوجة بهشيم أوراق الخريف تئن من وجع الهجر، تسقط على الأرض و تيبس ثم تتحطم لترجع إلى ضمة أمها من جديد..
تقترح عيناك عليّ العديد من الأمنيات ، فتسألني عن آخر رغبة لي في هذه الحياة ، و هذا لا يحدثلا قبل تنفيذ حكم الإعدام ، نعم أمر مخيف أن تتعرض لهذا الموقف مرتين ، فقد سبق لي وأن وقفته أمامك ، كان ذلك منذ سنوات حينما كنا أمام مفترق الطرق، وكنت في كل طريق ، و لم يكن الخيار سواك ، لم تكوني مقطعة إلى أجزاء ، و لكن طيفك كان يحسن السباحة ، و كان يقضي جل وقته يمازح الأصدقاء بمحاولة إغراقهم ، كانت أيام لله درها ، و كنت أنت أنت الطريق..
دعي ظلام هذه الليلة يذهب، و سأتفرغ لك ، سأقصد نعشك المتحرك غدا ، وأقدم له كل التعظيمات التي كنت تتمتعين بها قبل اليوم ، ستأتيك بقية منها بأثر رجعي ، هي تأوهات من الزمن الجميل تحاكي صوت موجوع من وتر العود المكسور يؤدي سمفونية لموسيقار مات قبل أن يعترف بموهبته التي فيها جزء من الفن و كثير من الشكوى، و الأهم من كل ذلك هي تغلي بحنين إلى التصفيق الذي يبخّرالوجدان و يجعله يرقى إلى فوق ليمتزج بالسحاب و ليسهل عليه التنكر..
لا أحتاج إلى مفسر الأحلام بعد اليوم ، فقد نفثت في أحلامي بسمّك ، فأصبحت محتاجا إلى ترياق من داء التكرار، فنفس الحلم يتكرر بنفس الموسيقى و الألوان ، وبنفس القهقهات ، ثم أجدني كأني لم أخض معك هذا الوادي الذي يزينه ريق الملح، والمكدر بتراب الفخار الأول الذي تتشكل منه كل الانحناءات الآثمة ، نفس الأصداء تتكرر و لكن لأشخاص مختلفين ، كلها لا تتعبني كما تتعبني أصداء الظلال البيضاء التي تبحث عن اللون الأسود ..
أنا الذي يبحث عن السآمة فتستعصي عليه ، لأنها معنى ، و المعنى عزيز في هذه الأيام ، لكونه روحا و وجودا ، فعلى نعشك المتحرك وقفت تسأذن كل حروفي لتشكل عالمها الخاص ، فلم يؤذن لها ، أو بالأحرى لم تتلق ردا ، ربما لانشغال من بالداخل بنرجسية ذابلة مضت عليها الفصول ولم تجد رائحة تتناسب مع الانقلابات المتعاقبة، كما لم تستوعب مرحلة وقف إطلاق النار من الطرفين ..

أضف تعليقاً