يضعون المعاول والفؤوس ، في ترعات الحقول والغيطان ، يغتسلون . منهم من يستحم بالماء البارد في مياه النهر ، وان كان الكبار يتشاءمون منه يقولون : يصاب المستحم بالخبل والمس ،فأهل هذا النهر جن وعفاريت ومردة ، للتو يغادر شبح النوم محاجر عيونهم، فهم عكسنا ينامون نهارا ويهيمون على أنفسهم ليلا هم أيضا هوام ليلية.
يتساوى قرص الشمس مع جباههم ،يتكوم على نفسه ،تتورد وجنتاه ، يكاد يبلعونه ،يغوص في بركة حمراء قانية في الشفق البعيد تم يختفي شيئا فشيئا ،يتسللون تحت نقع حشود الحوافر والأظلاف ،تمتزج ظلال الأشياء بخيال البهائم في حركتها الحثيثة نحو الزرائب ، لوحة غريبة تثير الخوف والتوجس في نفوسهم . تتحول من مكان لآخر لا تستقر على حال ،فتربك أبصارهم. تذكرهم بالملاحم الأسطورية لأجدادهم ، وهم يصارعون (الشيطانة ليليت مصاصة الدماء) في جوف الجبل المقدس .
تحت الخرفان السير . تقفز من مكان إلى آخر كالظباء ، تخاف ان تفقد أثر أمهاتها وتشرد عن القطيع . يختلط الثغاء والخوار برائحة التراب ، كلاب الحراسة تضغط على ميمنة وميسرة القطيع فيتموج ذات اليمين وذات الشمال كأسراب السردين في عمق البحر ، تبصبص بأذنابها وتتمسح بالرعاة ، مرحبة ومبالغة في الترحيب منتظرة مديحا أو إطراء .
يبتلع الليل القرية ،تبتلع الحضائر البهائم ، وتبتلع البيوت الطينية تلك الأجساد المتعبة المتهالكة، يبدأ الصمت يقتص من صمت القرية ، طقطقة أسنان البقرات والعجول تتلذذ باجترار مخزون معدتها،تمتزج بخشخشة القش تحت الأ ظلاف في الإسطبلات ،أصوات بعيدة تدغدغ الأسماع من حين لآخر ○
في خضم ذلك النور الخافت المنبعث من باب البيت ، كانت الكلاب تقعى منتظرة ، ما ستجود به عليهم مولاتها من خليط النخالة واللبن الحامض ، من حين لآخر يفتض هريرها بكارة سكون الليل فتدخل في مناوشات،سرعان ما تتحول الى معركة أنياب ونواجد ، يعالجها سيد الداربفردة حذاء أمامه أو حجرة أو كل مايقع في يده لاحتواء النزاع ، ناهرا زوجته :
-يا امرأة أبعدي عني كلابك ،أريد أن أخلص جسمي من براثن الثعب الذي ينهش مفاصلي منذ الخيوط الأولى للفجر ،
دون أن ترد عليه تخرج حاملة آنية طينية فقدت طلاءها ، يشتم الكلاب روائح اللبن يسيل لعابها ،تدخل في نوبة بصبصة وهسيس و نباح مكتوم وتتلاعب بأذنابها كالصوارم في الوغى ، ومولاتها ،تكيل لهاأنواع السباب والشتائم مصطنعة الغضب !
-ابتعد يا كلب ياابن الكلب ،الله يقبض روحك !!
تصدر من عمق البيت قهقهة سخرية عالية :
-هاهاها! ما أبلدك يا امرأة! ربما معاشرة الحمير بلدت إحساسك! إذا لم يكن كلبا فماذا سيكون فهدا بن أسد؟! والله ، لا أدري كيف فقدت صوابي ووقعت في شركك اللعين ؟!
في غنج أنثوي مبطن بحياء بدوي ساذج ،ممزوج بروائح التوابل والثوم والبصل ،وربما حتى براز الصغار،هو أعلم بذلك :
-لأنك كنت تنظر وعيناك لصيقتان بالأرض كنت خجولا كالعروس ليلة الدخلة ، أوربما كانت صورتي مقلوبة ، أو كنت أنا الحمقاء ، لأني قبلت بك زوجا ؟!
-يا امرأة لو لم أتزوجك ،لكنت فريسة للعنوسة !
كانت تكلمه وهي تربت على ظهر جرو صغير ، يتبعها أينما ذهبت ومن حين لآخر ينفلت بين قدميها كالسهم ويعرقل سيرها ويلعق كل ما يتيسر له من لحمها ، كانت تحبه و تعتبره واحدا من أبنائها
دخلت ،وحملت مباشرة قدر العصيدة ، وضعته أمامه على المائدة ، وهي ترقبه بنظرات لا تخلو من رغبة مكبوتة، سببها: تعب النهار وصعوبة الأحراش والوديان ، ومشاغل البهائم .
-العشاء ! العشاء! قم العشاء جاهز !
-لقد شبعت يا امرأة ،اتركيني انام !
-لكنك لا زلت على لحم بطنك !!منذ الفجر لم تأكل شيئا !
-يا امرأة أ آكل العصيدة أم زغب الكلاب؟! أم انك تحسبيني ايضا كلبامن كلابك ؟!
ترك جسده المنهك، المسنود إلى الحائط يهوي فتتلقفه الأرض ، أخذ فردة حذائه ووضعها تحت رأسه فاستلم النوم منه الروح وأسلم الجسد لشخير اشبه بصوت عجلات عربة تسير فوق الحصى ممزوجة بحوافر حصان مذعور !!
فجأة استيقظ مرعوبا على صوت غير مألوف صادرمن الإسطبل:
-يا إلهي البقرة الحمراء تخور خوارا غريبا !!
جر زوجته من خاصرتها وكانت للتو أسلمت الروح للنوم ، فاستيقظت تغالب النعاس ، وتفرك عينيها المنتفختين براحة يدها
– استيقظي !استيقظي !يا امرأة هذا خوار البقرة الحمراء ،اني أعرفها جيدا ، خوارها لا يبشر بخير ، أين عود الثقاب !؟ أين المصباح ؟! أين الزيت ؟! البقرة تموت يا امرأة!! أسرعي !!
أشعل الفتيل واتجه إلى إسطبل البقرات ،والتوجس والخوف يمتص منه القوة ، البقرة تخور خوارا شبيها بشخير الموت، وهي تغوص في بركة من دمائها ،كانت منهارة تماما، ولا تقوى على الحركة، بقي واقفا مندهشا، وسرعان ما تمددت البقرة المسكينة ، تصارع الموت .أصيب بهستيريا التساؤلات وهو يتحسس جسدها المسجى على الارض !
– يا إلهي إن الوريد مثقوب وبها -جهة نحرها – جروح غائرة أشبه بضربات الموسى الحادة ؟! من الذي فعل بها هذا ؟! من الذي اعتدى عليها ؟!
كانت الوساوس القاتلة تشل منه ا لقدرة على التفكير! وكانت
زوجته ،واجمة إلى جانبه ، والبقرة تموت أمامهما وهما عاجزان عن فعل أي شيء !
-يا امرأة ، نفقت البقرة ! والعجل الهندي (لقب كان يطلقه عليه لاختلاط لونيه الأبيض والأحمر ) أيضا على أبواب الموت! ماذا سنفعل؟! اصرخي يا امرأة ، يجب أن يعلم كل الناس حجم الكارثة؟! اصرخي، بكل ما أتيت من قوة ،فالأمر جسيم !
صرخت صرختين لكن فيهما أثر النعاس ، ثم عبدت الطريق للصراخ !كثر اللغط وخشخشة الأعشاب اليابسة تحت النعال ، وأضواء المصابيح تخبو وتومض كالنجوم سالت بها تخوم القرية ، تحلق الناس حول الاسطبل ، وحاصروه من كل جهة ، تقدم العارف بأمور القرية بالرجل اليمنى ، وهو يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة ومن حين لآخر يبصق على يمينه وشماله ، تفحص البقرة والعجل الذي كان يقاوم سكرات الموت! فكر قليلا ثم قال:
– الثقب نفسه في الوريد والجروح الغائرة !
خرج أحد الحاضرين من ذهوله وسأل :
-من الفاعل في نظرك أيها العارف بأمورنا وبأحوال قريتنا ؟!
-إنها عدوة الله( أماتشو) بنت (أنو) !
-ومن هي هذه يا كبيرنا ،من تكون ؟!
-إنها شيطانة مرعبة ومصاصة دماء !يقولون إنها تحمي الحوامل حتى تضعن مواليدهن فتخطفهم لهن إنها تعشق دماء، الأطفال الرضع و تتغذى عليها ! وكان أجدادنا يحتاطون منها لحماية رضعهم !
ذعرت النساء وأطلقن سيقانهن للريح للبحث عن أطفالهن الرضع وهن يولولن ،والخوف يعتصر قلوبهن خوفا من هذه الشيطانة ، وكان أبناؤهن نائمين في المنازل !
كانت المصابيح الزيتية ،تمتص ظلمة الإسطبل ،من الأرض إلى السقف ، سرعان ما لمعت على ضوئها آلاف العيون الصغيرة ، في رؤوس متدلية كالمشنوقة على دعائم الإسطبل ، كالفواكه الاستوائية تنجدب نحو الأرض والدماء لازالت تسيل من بين قواطعها الحادة ، صاح العارف بأمور القرية :
-يا إلهي !! إنها الخفافيش، لكنها بحجم الحمامة ورأسها أشبه برأس القنفذ ،وليس الفأر ، هذا خفاش غريب يا قوم ! ليس كذلك الخفاش الذي تعود أبناؤنا على اصطياده بحبيبات البصل ، عندما يجن الليل، هذا الخفاش يحب الجرح الغائر ليمتص الدم بكل حرية، فماذا سنفعل قبل أن تنتقل العدوى إلى كل القرية ؟!
-يجب أن نحرق الإسطبل بكل ما فيه ! أتوافقون ؟!
-والله نعم الرأي ياقوم !
صاح الجميع بحماس زائد :
– أحرقوا الخفافيش إنها تعتبركم حرافيش !وتمتص دمكم !
أشعلوا النار في الإسطبل ، وسط تكبيرات الحاضرين وصيحات الانتقام للبقرة والعجل الهندي ، لكن أسراب الخفافيش كانت قد تسربت من الشقوق واجتازت الضفة الشمالية للبحر مملوءة البطون بالدماء حتى التخمة ، قبل قدح أول شرارة من النار !.
- الخفافيش والحرافيش
- التعليقات