ها كان لابد ان يحدث الذي حدث.!؟ أن ألزم الفراش طيلة أيام، تغمرني، بين الحين والآخر، نوبات من الحمى، ترفعني الى جنة فوق غيمة خضراء حيث تطال اصابعي سماءا زرقاء وتقطف عنقودا من النجوم، ثم تخبطني أرضا فافتح عيني على صحراء قاحلة وقد امتلأ فمي بالرمل، واجدني خرقة من جسد مبللةً بالعرق، وأصيح على اختي الصغرى: ماء، ماء.!؟ هل كان لابد ان لا أجد أحدا قربي، غير اختي الصغرى.!؟ هل كان لابد ان أُعاقَب، بالمرض والاهمال، انا الذي لاارى مني ذنبا.!؟ هل كان لابد ان يقف ذاك السلفي في وجهي كالصدمة، وانا اخطب في بعض من شباب الدوار، تحت اشجار الزيتون قرب عين تزدحم بالدواب والنساء والفتيات عند مساءات ايام الصيف الحارة، عن كارل ماركس كمن يتكلم عن نبي جديد ، لكن مع فارق انه يبشر بجنة قادمة على الارض، في الدنيا وليس الآخرة، وعلى أسس علمية، ظانا نفسي وسط حلقية بين اسوار الجامعة، محمولا على حماس يطير بأجنحة من زهوِ الذي اكتشف قارة جديدة، ليصيح ذاك السلفي في وجهي، بعداء واضح وسخرية شامتة : ليس هناك ماهو انسب للساحرة من غير ان تلد ملحدا.!؟ هل كان لابد ان تكون امي ساحرة مشهورة تجعل الماء جُبنا.!؟ وان اكون إبنا لساحرة.!؟ وإبنا عاقا لأم تحت اقدامها السحر.!؟ اسئلة واسئلة تزدحم على شاطئ دماغي كقطيع فقمات، ولاتعثر على مكان لجواب فيما هي تتكوم وتدهس بعضها البعض، ولاتخلصني منها إلا موجة حمى جديدة.! لاأحد إكترث لمرضي، عدا اختي الصغرى، انا المسخوط الذي يأكل من غلة الساحرة ويسب ملة السحر.! تركوا المرض يؤدبني، إذ انتفخت اوداجي وطال لساني، بوقاحة، ليطلب من أمي الكف عن السحر الذي أُعَيّر به كبصمة منحطة، متناسيا أني أطلب من سمكة مسحورة ان تخرج من محيطها الساحر، فتعيرني امي بالفقر الذي ينتظرني.! لم اجرؤ على ترك البيت نهائيا كطائر نما مايكفي من الريش على جناحه، بعد أن بلغ الصراع حدا جعل ابي، الذي أراه ظلا ثانيا لأمي، يصفعني بكل ماشُحِن به من قسوة، فيما أمي تدعو على الجامعة التي بلغتها بفضل مال السحر الوفير، وذهبتْ باتزان عقلي، وأكدتْ أن القراءة تنتهي الى الجنون؛ ولم اعد اجد حتى ثمن سجارة،انا الذي كان موعودا بسيارة يبز بها الاقران.! لكن المرض المفاجئ، والذي هو عبارة عن موجات متلاحقة من الحمى دون ألم عدا شعور ثقيل بأني مجرد خربة من جسد وحطام روح لم تعد ترغب في شيء، ألزمني غرفتي على طرف بيت مسحور، غريب، عطن الهواء، معتم لاتنفذ الشمس الى اسراره الحساسة، مستسلما لقدر حط بي، راجيا ان ترفعني احدى نوبات الحمى الى تلك الغيمة الخضراء تحت سماء زرقاء وبين يدي عنقود من نجوم، وأظل هناك الى ان اذوب واصير جزءا اخضر من الغيمة؛ لكنها تعود وتسحب الغيمة الخضراء من تحتي، وتتركني اهوي على وجهي في صحراء قاحلة، وحين انفض الرمل عن رموشي، أرى كارل ماركس أمامي بلحيته ومعطفه الطويلين، فأمد له يدي ليساعدني على الوقوف، لكنه يدير ظهره ويقول: كل ما أعرفه أني لست ماركسيا، ويمشي.! فافتح عيني، واقلبهما في أرجاء الغرفة غير مصدق أنْ لايد تنزل بردا وسلاما على جبيني، وعندما انظر الى الباب المشرع أرى ذاك السلفي واقفا عندها كجزء منها لايتحرك، ومن وراء لحية مخضبة بالحناء وتحت شارب مقصوص ترتسم ابتسامة شامتة.! لكن، هذه المرة، وعلى غير توقع، رأيت أمي تتقدم إلي وفي يدها كأس. لم أصدق عيني. لكن صوتها المعتاد وهي تقول: هاك هذا الدواء، اشربه، جعلني أمد يدي الواهنة، اليائسة، الى الكأس دون مبالاة وبشبه وعي، لأفرغه في جوفي دفعة واحدة. وحين كنت أسعل وأضع يدي على عنقي الملتهب من الداخل، رأيت امي تبتسم ابتسامة غريبة، ملغزة، مريبة، وهي تغادر الغرفة. لكن الخليط الكريه الطعم الحاد كعصير من زجاج،سرى بسرعة البرق وجعلني أشعر ان جسدي يذوب من الداخل كحديدة في نار الصهر، ويخلف موجة ألم رهيب تركزت في حوضي، فامسكته بكلتا يدي، وفي حلقي صرخة رهيبة لم استطع اطلاقها، وغاب عني الوعي.! وحين عاد إلي، وجدتني عاريا تحت الفراش، ويدي على حوضي، ولما تحسسته ذهلتُ ، إذ لم أعد لاذكرا ولا انثى، بل خنثى.! وعندما رفعت عيني التي كمصباح يرسل ضوءه دون أن يبصر ماهناك، رأيت أمي واخواتي حولي وعلى وجوههن ابتسامة عريضة، وقبل ان افهم شيئا، سمعتُ زغرودة تنطلق كمهرة من فم امي، فابتسمتُ، واطلقتُ بدوري زغرودة، وجلستُ على السرير.!
- الخنثى
- التعليقات