يرفرف الديك بجناحيه ويصفق، ثم يمدد عنقه مناديا بارتياح: الصباح رباح..الصباح رباح..
تتشوق الكلاب للحرية والإنطلاق، فترفع وتيرة النباح، ويجوع الحمار، فيسترسل في النهيق، وتخور الأبقار منادية صغارها بكل حنان.
يستيقظ أبي، يصفق بيديه صارخا بصوت جهوري أجش: استيقظوا يا أولاد، انتصف النهار، وحدهم أهل المقابر من لا يزالون نياما …هيا أسرعوا…
لا أصدق، أنني تخلصت من ربقة الليل، ومن كوابيسه اللعينة. فأسارع للتخلص، من المغص الذي يكاد يمزق بطني.فألمح أبي يوزع التبن للأبقار والدواب. وأمي تحرر رقاب الكلاب.
ما أجمل هذا الصباح المبهج، رغم برودة الأجواء!!
أعود، ورجفة البرد ترقص فرائصي .تستغرب أمي حينما تراني، وتخاطبني بحدة: ما الذي أجبرك على القيام في هذا البرد القارس؟ عد الى فراشك!
يسمعها أبي وهو قادم .فيعقب قائلا: لو كان قادرا على العمل، لكان الآن غارقا في سبات عميق.ثم يتساءل مستنكرا: لماذا لم يستيقظ الكبار حتى الآن ؟ فتجيبه أمي مهدئة من روعه بلطف : لا تقسو عليهم ، إنهم يتعبون طوال النهار، دعهم ينامون قليلا حتى تشرق الشمس، ويدفأ الطقس قليلا…يرمقها أبي بحنق، دون أن يفوه ببنت شفة. بينما تنصرف لقدح النار وإعداد وجبة الفطار.
دارت رحى الأيام….تزوج شقيقي الأكبر، وبعد وقت قصير ،خيم الحزن على البيت، وشيعنا جثمان أبي الى مثواه الاخير.
مرت مراسيم العزاء .انقطع توافد المعزين، وخفت وطأة الحزن.
وصاح الديك بصوت الحكمة: الصباح رباح….الصباح رباح…
أسمع ثمة خطوات، يرتفع وقعها كلما اقتربت وينخفض حين تنأى، تذكرت عادة المرحوم، فتساءلت في سري: من سيطعم الدواب والأبقار في غيابه؟
ارتفع نباح الكلاب التواقة للإستراحة من ربقة الرباط، وعلا نهيق الدواب الجائعة.
ما أحلى نوم الصباح، لولا هذا الصخب المزعح!!
أدفن رأسي بين الاغطية، ومن بعيد ،اسمع تصفيق اليدين. صوت شقيقي الأجش يصرخ: استيقظوا يا عباد الله، انتصف النهار، والمواشي من أثر الجوع تكاد تنهار.
أستيقظ متذمرا ،نوزع التبن للأبقار والدواب. وتحرر زوجته، رقاب الكلاب ممتعضة ساخطة.
أمي بجانب الموقد ، لا تستطيع الإستغناء عن الدفء، أقعدها الروماتيزم اللعين الذي ما فتئت تشكو من تبعاته، وتذكرنا أن شقاء الصغر، ورثها كثيرا من العلل. تتأوه بصوت خفيض…
دارت رحى الأيام…..استقل عنا شقيقي الأكبر، وهاجر آخر، وبقيت، وأمي وحيدين.
يرفرف الديك بجناحيه ويصفق، يمدد عنقه وينطق بالصلاح: الصباح رباح…الصباح رباح..
لكن، لا كلاب تنبح ولا حمار ينهق …
ما أوحش هذا الصباح!!
صفقت بيدي: استيقظوا يا …هيا بسرعة..
لكن أحدا لم يستيقظ!!

أضف تعليقاً