انفلت من أمام القائد مرتعدا..حمل حقيبته الصغيرة وأحكمها على كتفه قاصدا محطة القطار مباشرة ..تنفس بقوة إذ جلس منفردا في مقعد جانبي بعيدا عن الركاب..فتح حقيبته بيد مرتعشة ..تحسس البلطة التي سرقها من مطبخ المعسكر..نظر إليها ..كانت لامعة وحادة..أمسك بأسنانه شفته السفلى المرتعشة ..فرك أصابعه بعصبية وأغلق الحقيبة ..مرت بعينيه صور من يكرههم: زوجة أبيه ،وابنها الذي كان سببا في تجنيده، وقائد المعسكر الذي لاينفك عن تسخيره في خدمة بيته وأولاده،ثم أبيه..أبيه الذي لم يصبر بعد موت أمه حتى تزوج وأنجب على حساب رعايته و تعليمه.. أيشفيه قتلهم جميعا ؟أو أحدهم؟ ومن يكون؟ رغبته في الانتقام يحسبها كفيلة بإخراجه من الأزمة التي تمسك بتلابيب عقله وقلبه..وتطغى على جوانب الخير فيه. الشيطان معه دائما. يسكنه ويطورمن رغباته ؛ من الفعل الإجرامي إلى ماهو وحشي:ضربة واحدة بالبلطة لمن كان حنونا! ضربة بلطة قاضية لرأس الأفعى! ضربة بلطة قاصمة لمن بيده الأمر والنهي! أوهي ضربة انتحارية وينتهي كل شيء.!
تأكد من تراكم الشر ومن عمقه في نفسه، رآه كبحيرة مليئة ببخارغضب ملحي المذاق، ثقيل الدنس ..استُقْبِلَ ببرود في بيت العائلة، وشعر بأنه أصبح غير مرغوب في وجوده فقرر أن يعود من حيث أتى..لاقاه أصغر إخوته من أبيه..قدم له الطفل لعبته مبتسما وقطعة حلوى؛ فقلب الملاك الصغير كيانه وفكره.. حمله فرحا وقبَّله، ثم خرج به إلى الفضاء الرحب ونسي أنه ثمرة الجُبن، والجفا، واحتضن أخاه فطار الغراب.

أضف تعليقاً