كان مثيرا للدهشة، في ذلك العصر ..حيث كان الناس لا يؤمنون بتعليم البنات.. أن ترى تلك الفتاة القصيرة النحيلة، تحتضن بيديها كتبها المدرسية، تلتمس فيها دفئا من برد يناير القارس، تسارع الخطا، في شارع بلدتها الرئيسي، لتلحق بقطار السادسة صباحا، قبل أن يغادر محطته متجها لبلدة مجاورة فيها مدرسة إعدادية، لا تتوافر في بلدتها، ولم يكن عسيرا على ذي نظرة ثاقبة أن يقرأ في عينيها نظرات تحد واضحة.
كانت تلك الفتاة تتحدى ظروفا وأوضاعا بالغة القسوة، ليس من بينها الفقر وقلة المال، فهي ابنة عين أعيان بلدتها وأكثر رجالها ثراء، لكنها بالكاد وبعد لأي استطاعت أن تحصل منه على موافقة باستمرارها في التعليم، شريطة ألا ترسب سنة واحدة، كان في إمكان أبيها أن يأتي لها بسيارة تذهب بها إلى المدرسة أو على الأقل خفير، يصطحبها إلى محطة القطار، كان يفعل ذلك مع أشقائها الذكور، أما هي فلا، كان يؤمن كجل رجال عصره، بأنه لا مكان للمرأة إلا بيتها، ولا وظيفة لها إلا الزواج وإنجاب الأطفال، ساعدتها أمها التي كانت ابنة لأحد أفندية ذلك الزمان، وحصلت على قسط ليس بكبير من التعليم، في انتزاع موافقة أبيها، وتحدت الفتاة أبيها وتقتيره عليها، ونظراته التي كانت تتمنى رسوبها عاما، لتفقد شرط استمرارها في التعليم.
ولم ترسب الفتاة، بل تخطت كل سنواتها التعليمية بتفوق، في حين عانى أشقاؤها أشد المعاناة سنة الواحد فيهم بسنتين على أقل تقدير، وصلت إلى سنة تحديد المصير، كل أساتذتها تنبأوا لها دخول كلية الطب، وراهنوا عليها، كانوا ينادون عليها الدكتورة إجلال، كانت الأمور تسير على ما يرام، حتى جاء الربيع، أصابها رمد ربيعي أضعف قدرتها، على الإبصار، واجهتها صعوبات في التحصيل الدراسي في تلك الفترة الحرجة، وداهمتها الامتحانات وما زالت تعاني من عينيها، وظهرت النتيجة، وضاعت عليها فرصة الالتحاق بكلية الطب، بفارق ضئيل جدا، وضاع حلمها الذي كافحت من أجله سنوات، دخلت كلية العلوم، وأخذت على نفسها عهدا أن تحقق حلمها في أحد أبنائها.
كنت أنا ذلك الابن الذي وضعت فيه أمه كل آمالها لتحقق حلمها القديم، انحصرت كل أمانيها أن ترى اسمي على اكبر لافتة مضيئة مسبوقة بلقب دكتور، كنت بارعا جدا في مادة الرياضيات، ولست أدري ما الذي ألقى في نفسي كل هذه الكراهية لمادة العلوم، التي كانت تدرسها أمي وبرعت فيها، كنت مهيئا تماما لدخول القسم العلمي، لكنني عاندتهما…أبي وأمي…وكنت مصمما على دخول القسم الأدبي، ورغم أن رأيهما قد انتصر علي في النهاية، والتحقت بالقسم العلمي، إلا أن عنادي وغبائي قد غلباني، اكتفيت بدروسي الخصوصية التي كانت بلا جدوى، اتصنع المذاكرة بينما أقرأ الرواياتةالأدبية، في غرفتي المغلقة من الداخل، يتوهم أبي وأمي أنني اذاكر، بلغت أحلامهما في عنان السماء، اعتقد أنهما رسما في خيالهما شكل عيادتي ومكانها وحتى حجم اللافتة المضيئة التي تحمل إسمي.
في بداية تلك السنة، بدأت أمي تعاني من مرض غامض، كسا عينيها بصفار كئيب، كشفنا بعد شهور أن الزائر اللعين قد تمكن من جسدها كله، لم يخبرها أحد بحقيقة مرضها، كانت آخر جملة سمعتها منها، بعد أن أديت امتحان الثانوية العامة، ولم تكن نتيجته قد ظهرت بعد:
…سأموت لو لم تلتحق بكلية الطب يا ولدي
كانت نظرتها تقول لي وتؤكد أنها تعني كل حرف نطقت به، وكنت أنا على يقين أن أدائي في الامتحان من المستحيل أن يدخلني كلية الطب، أصبحت مرعوبا من اليوم الذي ستظهر فيه النتيجة، ليس خوفا من عدم تفوقي الذي أعلمه، بل كان كل خوفي أن يصيب أمي مكروه، إن أنا خذلت حلمها في.
ولست أدري هل كانت الأقدار رحيمة بي، إذ ماتت أمي بسبب مرضها الخبيث، وليس بسبب نتيجتي التي كانت سيئة كما توقعت، أم أنها ستكون بداية لمأساة ندمي الطويل أنني لم أحقق حلم أمي؟
وكأن أمي قد ألقت في داخلي بذرة حلمها قبل موتها، إذ سيطر علي أنا الآخر أمل أن احقق حلمها في أحد أولادي، واخترت بكريتي التي أسميتها إجلالا على اسم جدتها، وزرعت فيها من صغرها، حلم أن تكون الدكتورة إجلال.
كانت فرحة عمري وأنا أحضر حفل تخرجها طبيبة ومن أوائل دفعتها، أما فرحتي الأكبر فهي وأنا أسير في أكبر شوارع بلدتنا، كل يوم رائحا غاديا، لأقرأ حلم أمي على أكبر لافتة مضيئة في بلدتنا.