ألقت جارتنا الحاجة عديلة بطة وسط مدجنتنا المكتظة بأنواع الطيور، وهي آخر سلالات البط الموسكوفي عندها، عقدت شريط أحمر على رقبتها ليسهل التعرف عليها، اطمانت لرضاء الطيور عنها، وكيف لاترضي وأصلها روسي، نفضت يدها منها وعادت لبيتها.
تتحرك الموسكوفية بحذر حتي تؤمن وضعها الجديد، اختلط الترحيب بالتحرش، كأنها راقصة فى فرح شعبي، لا تأكل بنهم كباقي البط، تمثل الشبع وحوصلتها خاوية، فالغريب لايشبع، ارتشفت الأمن من أنفاس الطيور حولها فاستأنست بالوضع الجديد.
وجبةً شهية لذكور الطيور، هبطت عليهم، تزاحمهم الدفء فى رحم الأرض، طيور المدجنة أطفال البيوت، لا تمل صياحها وضجيجها.
يرصد الديك الضيفة الجديدة عن بُعد، حتى يتبين أمرها، فإن تَصَعَّرَ لها ذكر صفعه بمنقاره وأماط أنفاسه المحمومة عنها، حتى اشتهت قربه، حاجتها للحماية أذابت المسافة بينهما، حدد المؤذن نصيباً لنفسه، لم يتنازل عنه، على أية حال كانت ستمنحه إياه، إلا أنه استعجل فاستحله.
المدجنة الحائط الرابع خلف كل بيت فى كل قرية، فى الدوار الذي ينعش الصباح برائحة الخبز الطازج وطواجن السمن البلدي….
وفى ركن آخر من الدوار، بدت ماشيةً تنتظر كلأها، وربما ذبحها.. الطيور ملوك الدوار تُشبِع البطون وتكمل صورة الريف التي هرمت معالمها.
ما صدرت روسيا أشهى من اللحم الأبيض المختلط بالحُمرة، بطة موسكوفية بيضاء بصدر رهيف مكتنز باللحم لا عظم فيه، بشريط قماش أحمر على جناحها ورقبتها، ووجه قرمزي، تتمايل فى مشيتها كالموج الهادئ على إيقاع الإشتهاء، تتثنى فى عذوبة، وتتقصع بخلاعة.
لم تنتج سلالة تشبهها فى دوارها القديم رغم بيضها الكثير، والذكور هناك لا تمل الصخب، هجروها ولجؤوا للبط “البكيني” البليد فى ميوعة، ولا شيء يثير اشمئزازي أكثر من دلع البليد، الذي لا فرق بين أوله وآخره، وذكور البط مضروب بينها وبين الذوق بسور لايتجاوزه أحد، تأكل بشراهة، وتقفز بهمجية.
الاهتمام فى مدجنتنا لم تألفه الموسكوفية فى دوارها الأصلي، فهي ضيفٌ عزيز وجب إكرامه، يظل الضيف فى أعلى مكانة، مالم تتغير صفته أو مكانه. وفى دوارنا تُلفق الطيور أسباباً لاحتكاك بها، فهى صاحبة الراية الحمراء الوحيدة، إن رفرفت على ظهرها بفعل الرياح، خِلت أن الطيور ثيران أسبانية، تتسابق عليها.
تختلط الأنساب فى المداجن المظلمة، تنتهزها الموسكوفية فرصة لامتلاء أحشائها بلقاح تعزز به مكانتها المسلوبة، وتزيح فكرة السكين المسنون التي تنتظرها لتحِز جِيدها الممتليء، فالبط الذي لا يُنتج يُذبح…
تعود كل يوم وحدها منهكة لتضع بيضتها المُلقحة فى مرقدها القديم، ثم تغتسل من الريش العالق على جسدها، بعضه ريش وز وديوك وبط، حتى شعر الأرانب، وصوف الخروف، ثم تستريح، لتعود وحدها صباح التالي بين الرغبة والاشتهاء …
يتحرك الديك بأناقة وشياكة وحذر، يشرف على حمايتها من كل الذكور، إن حاصرها أحدهم طار وسحقه بمنقاره، ثم ينحت تفاصيل جسدها بنظرات مريبة لا تنطلي على أحد …
بعد ثلاثة أسابيع اكتمل بيضها حبستها الحاجة عديلة فى مرجونة انفرادية صُنِعت من الطين، حتى يفقس بيضها، يتكرر الحبس كل أربعة أشهر، واضعة حداً لثورة التحرش التي خمد لهيبها بعد عزل السبب…
أكملت الموسكوفية شهراً على بيضها لم تبتهج بالبشرى ككل أم…
فما ستره قشر البيض فضحته الفراخ، وتُنسب الفراخ غالباً للذكور.
استعادت الموسكوفية الاهتمام بما سببته من فوضى ضربت أركان المدخنة فحولتها لسوق متعة، وتحملت فى سبيله أوجاع الوطء، وسوء السمعة لتفدى رقبتها، فما استراح جسدها حتى اشتاقت للانهاك من جديد، فذاكرة الطيور تجعلها تستنسخ نفس الحدث بنفس الأداء.
يبدأ ديك بآذان الفجر يصيب العدوى كل ديوك المداجن من حولنا، فلكل فجر صحوة جديدة تقودها الديوك، يخترقها صوته يدغدغ اشتياقها الماجن، تسترق السمع، تتنفس صوته، فلا وجوده أشبعها، ولا غيابه أنساها قربه.
كُسِرت كهوف البيض، تنوعت الفراخ والأغلب بط موسكوفي، لا فرخ فيهم يشبه ديك الدوار.
اجتمعت الحاجة عديلة فى مع جيرانها، وسألتهم.
– هل تجلب العار بطة من أصل روسي لدوار على أرض عربية؟
لم تهتدِ لإجابة.
بعد خروج آخر فرخ من البيضة، ذُبِحت المُسكوفية، وصوت الديك يزداد شجوناً ولم يتوقف عن الآذان…
—————-
المَرْجُونَةُ : وعاءٌ صغيرٌ من خُوصٍ، واسعُ البطنِ، ضَيِّقُ الفم، والكبيرة منها مصنوعة بالطين لتربية الطيور.
- الديوك ملة واحدة
- التعليقات