مادت الأرضُ بالناسِ وزُلزلت زِلزالها ؛ لفَظَت العمائرُ أثقالها من البشر؛ خرج الناسُ هَلَعًا أشتاتاً لينجوا بأرواحِهم؛ يهجرون بيوتهم هِجْرانًا؛ زرافات ووحداناً فى الحدائق والشوارع ينتشرون؛ بِيَا خَفّى الألطَافِ نجنا ممَّا نخاف يلهَجُون؛ منهم الحُفاة العُراة؛ من تعرَّى نصفه الأعلى ومن تعرَّى نصفه الأسفل؛ النساء كاسيات عاريات؛ لايلتفت أحدٌ إلى أحد؛ فالأمرُ أشدُّ مِنْ أنْ ينظرَ بعضُهمْ إلى بعض؛ كان يوم الحشر؛ يوماً ملحمياً؛ الكلاب تنبح؛ القطط تموء؛ تصهل الخيول؛ بينما ظلت الحمير صامته تَتَهارَش؛ تصَدَّعت معظم البيوت القديم منها؛ وانهار البعضُ منها على رؤوس أصحابِها؛ كان أقوى زِلْزالٍ ضرب مِصر فى منتصف الليل .
فى الصباح فى ساعة مبكرة سمعت صوتَه الأجش القوى ينادينى من وراء الحُجرات؛ يجرى إسمى على لسانه مُجرداً دون لقبِ أو حِشمة؛ لم يسبق له أن رفع الكُلْفة ؛ … يالله ؛ إنه الزِّلْزال.
بكّر الشيخُ أَنَس إلىّ على غير عادته قبيل مغادرتى بيتى لأباشر عملى؛ جاء من قريته من أقصى المدينة يسعى؛ تقبض يده التى تحاذى رأسه على فرع شجرة؛ عصاه الغليظة لاتفارقه يتوكأ عليها؛ هى سر قوته مادامت فى يده كما كان لشمشون سِرَه؛ يبدو ببنيانه الضخم المتين؛ لحيته الكثة ؛ عمامته الفخمة فوق رأسه تتدلى عَذَبَتُها بين لوحى كتفيه ؛ جلبابه الأسود المُترب الحائل اللون فضلاً عن فرع الشجرة القابض عليه صورة طبق الأصل لنبى الله موسى كما صوّرته ريشة فنانى العصور الوسطى أو كما صورته الأفلام ؛ لا يشذ عنه فى صورته سوى بنظارته الكبيرة فوق أنفه الأفطس؛ سميكة العدسات تبدو من خلالها حدقتى عينيه كحلقات لولبية حلزونية باهته متداخلة تنتهى بنقطة فى مركزها؛ أطللت عليه من النافذة مُندهشاً مُستطلعاً: خيراً؛ ما إن رآنى حتى رفع ذراعيه لأعلى؛ هو هو نبى الله موسى عليه السلام يتهيأ لضرب البحر بعصاه لولا نظارته ؛ صاح ببهجة : خلاااص …. خلاااص . ؛ الشيخ أَنَس على الرغم من تعيينه العجيب الشاذ فى المعهد الإبتدائى الأزهرى بقريته مدرساً للتربية الموسيقية ؛ إلاّ أنه لايُميّز مفتاح صول النغمة الخامسة في السُّلَّم الموسيقيّ من المفتاح الإنجليزي ؛ تجنب مُدير المعهد شره؛ خَبَر قوته الجسمانية الهائلة وعنفوانه الشمشونى العشوائى فى سورة غضبه ؛ يمكنه دون وعى تحطيم المعهد بمافيه دون مؤاخذةٍ أو لوم؛ موصى طبياً بمعاملته معاملة أطفال ؛ أعطاه تصريحاً دائما بالغياب ؛ لايذهب للمعهد بالشهور سوى لقبض راتبه ؛ يقضى وقتَه جوالاً على مدار العام ؛ يطوف مع المريدين والمريدات على الموالد الصوفية في كافة ربوع القطر المصرى ؛ ينتقل من مولد لآخر ؛ يمتلأ رأسه بكل ترهّات الصوفية ؛ ينبوع لاينضب من حكاياتهم الأسطورية ؛ أحب أن أستمع إلى حديثة الشائق المُسلّى؛ لكنه هذه المرة أخذ يتحدث معى حديثاً عجباً ؛ ينظر إلى السماء يتأملها بامعان يمسحها مسحاً وهو يدور حول نفسه ؛ يبحث فيها عن شىءٍ ما ؛ ينكّس رأسه؛ يمصمص بشفتيه بأسى؛ يندب حظه : ياالله كل شىء نصيب؛ حظنا كذا؛ حظنا فى الدَّرْكُ الأَسْفَل من الجنة؛ يُشير إلى السماء ويهذى: بيننا وبين السُعداء فى الدرجة الأعلى مسيرة خمسمائة عااام . ؛ اعتدت أن أسمع منه الأعاجيب ؛ حكايات خرافية لكائنات خارقة فوق الطبيعة ؛ ولكن هذه المرة لم تصدق أذناى مايهرف به ؛ إنه يتحدث كالمنوم ؛ كالمسحور؛ أدركت بسرعة أنه قد التبست عليه الأمور؛ عائشٌ بكليته فى وهم القيامة؛ وكأن الزلزلة الحادثة زلزلة يوم الدين؛ سايرته تلطفاً ؛ فقد قيل أنه ينبغى التلطف مع أصحاب الأحوال ؛ فوقع الزِلْزال شديد ؛ يُذهب بالألباب ؛ وكان لذلك طرافته ؛ الأجواء ذاتها تُرشح لذلك ؛ الناس والسيارات والدواب تسير فى سكون وصمت مريب ؛ الجو مصفر اصفراراً غامضاً كعاصفة رملية هبت تخلف عنها ذرات تعلقت فى جو السماء؛ سرنا فى طريقى إلى المصلحة التى أعمل بها؛ وفجأة أمسك الشيخ أَنَس بساعدى يجرنى جراً؛ عرج بى على أفخم مطاعم المدينة وهمس ضاحكاً: نفطر؛ العَزومة اليوم عندى؛ اندهشت؛ فعهدى به شرهاً أكولاً لا يشبع؛ جُل أكله تراثاً لَمَّا؛ كلما وضعت أمامه ماتيسر من الطعام التهمه ويقول: اللهم ارزقنا خيراً منه العجل العجل .؛ سلمت له قيادى يتخير المائدة التى نجلس عليها؛ حضر النادل صبيٌ أمرد؛ ربت على ظهره بحميمية وهو يغمغم: وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُون؛ أمره بأن يأتينا بأفضل وأطيب المأكولات.. أبديت قلقى؛ فاه بأن لا حساب.. خلاااص ؛ تشاغل بالنظر ورائى بشغف؛ يبتسم؛ يهز رأسه جذلاً يردد: مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ؛ نظرت خلفى فإذا بالقسم العائلى تنسدل عليه ستاره تتطاير بفعل هواء المراوح لتكشف وياللمصادفة العجيبة عن امرأتين قد رفعن نقابهن وكشفن عن وجوههن تبارك الخلاق فيما خلق؛ صحت به: حذار؛ لانعرف لمن هم؛ انتظر حتى تستلم صَرفيّتك من الحور؛ وُضِعت الأطباق؛ مضى يفرز القثاء من طبق السلطة؛ لا يأكلها؛ مسألة مبدأ؛ يتعجب أن تكون القثاء فى الجنة ؛ فهى من الطعام الذى اشتهته يهود ؛ من المؤكد أنها هنا فقط ؛ فى الدَّرْكُ الأَسْفَل ؛ مازلت أَسمَعَ لحديثه؛ فى غيبوبة حالمة مُحلقة فى الوهم الذى هيأ له بأننا قد بُعثنا وأن هذا نصيبنا من الجنة؛ لم أقاوحه ؛ فسلطان الوهم أقوى السلاطين؛ عشت معه الحلم إلى حين؛ لم أكن لأعيش معه الوهم حتى نهايته؛ كنت قد اتخذت قرارى وحسمت أمرى؛ أَنهَىت طعامى على عجلٍ؛ وسبقته خارج المحل؛ أشرت للنادل أن الحساب مع هذا الشيخ الفحل؛ اِنْتَظِرْته بالخارج ؛ سمعت صياحه مع صاحب المحل الذى طالبه بفاتورة فادحة؛ أذعن فى النهاية عندما أحيط به لسوء حظه نسى فرع الشجرة وهو يغسل يديه؛ أخرج حافظة نقوده التى قلما يراها أحد؛ نقد النادل حسابه و خرج وجهه مصفراً؛ يمسح عرقه يثبت نظارته يتلفت كمن صحا لتوه من عيلولة كابوسية؛ لايدرى كم نام وهل هو فى أول النهار أو آخره؛ امسكت بطنى التى تكاد تميَّز من الضحك؛ تفر الدموع من عينيى؛ تخرج الكلمات من فمى بصعوبة مقطعة: يالله؛ نصيبنا كذا؛ الدَّرْكُ الأَسْفَل من الجنة .
- الدَّرْكُ الأَسْفَل
- التعليقات


