المكان: أجرة صفراء اللون على طريق قديم كثير البرك والمنعرجات ….
الزمان :ما بعد الفجر بقليل
الأشخاص ستة ركاب مختلفون وسائق متسخ بدين ، وذبابة في أوج نشاطها .
الجو في الخارج بارد جدا ، وحبات مطر تطرز نوافذ السيارة .
الجو في الداخل دافئ تقريبا ، هادئ في الظاهر كل راكب اختلى بنفسه في مكان كأنه خاصم الآخرين ،أحدهم غط في سبات عميق كمن لم ينم مذ ولدته أمه …
السائق البدين يلوك علكة بصفة بشعة أثارت تقزز كل مرافقيه ، ومن حين إلى حين يقلب شريطه الوحيد في المسجلة “يا الرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي…” الذبابة وحدها سيدة الموقف تنط من وجه إلى وجه عدا الراكب النائم لم تزعجه وكأنها علمت حاجته إلى النوم.
الكل تقزز من وجودها ، ولا أحد استطاع إمساكها أو إخراجها …. أفسدت على الراكب الأول – وكان طبيبا – كل حساباته حول العيادة الجديدة التي وعده بها حماه منذ سنة خلت وأفسدت على الراكب الثاني – وكان جنديا جديدا – ذكرياته السعيدة في أحضان العائلة . وأزعجت الشاب الآخر الذي كان مشغولا بموضوع المسابقة المهنية التي سيجريها بالعاصمة وجعلت الشيخ الطاعن في السن يتأفف من حين إلى آخر في تذمر كبير ووضعت الآنسة الوحيدة بين الركاب في موقف محرج أمام مرافقيها .
بينما لم تقرب السائق وكأني بها عافت جلده …السفر هادئ جدا لولا هاته الذبابة اللعينة التي لم يكفها أن نالت شرف السفر إلى العاصمة بدون مقابل تدفعه فأبدعت
في إزعاج مرافقيها في الرحلة ، وجه السماء متجهم ينبئ بلعنة ما قد تحدث من حين إلى آخر .
الطريق خالية إلا من شاحنات كبيرة تطوي المسافات متثائبة تحركها أياد متعبة يراود النوم أصحابها .
السيارة الصفراء تلتهم المسافة بنهم شديد .
عقارب الساعة تشير إلى تمام منتصف النهار …. ولا أحد من الركاب أبدى رغبته في التوقف لتناول وجبة الغداء ، ولا السائق البدين فكر في ذلك ……
العاصمة ما تزال على بعد ساعة من الزمن …. والذبابة ما تزال في أوج نشاطها ولا أحد تمكن من صفعها أو إخراجها برغم المحاولات الكثيرة . أخرجت الشابة شريطا من حقيبة يدها وأعطته للسائق دون أن تتفوه بكلمة ……
نظره في امتعاض دون أن يكلف نفسه عناء سؤالها عن المغني … وبأصابع غليظة دسه في المسجلة …. فانبعثت منه موسيقى هادئة ليتبعها صوت العجوز أم كلثوم : وهي تردد “بعيد عنك حياتي عذاب .”
الذبابة ما عادت تزعج أحدا …ما عادت تتحرك في الفضاء … كل واحد حاول إيجادها وكأنه استأنس بتجوالها داخل السيارة وإزعاجها له من حين الى آخر …لا أحد عثر عليها…. لعلها خرجت من خلال ثقب ما ….
الكل افتقدها …كانت رفيقة حية على الأقل ….العجوز أم كلثوم هي سيدة الموقف الآن تذكر الطبيب بزوجته التي تركها بعد شهر فقط من الزواج وحيدة ، وسافر بعيدا ليس يدري متى سيعود ، وتخيلها حزينة من بعده تقف الى نافذة غرفتها في هذا الجو البارد تستمع الى نفس الأغنية …..بعيد عنك حياتي عذاب ….فانحدرت دموعه دافئة تغسل وجنتيه في هدوء …….
بينما اتكأ الشيخ على عصاه وألف علامة استفهام ترسم في الأفق أمامه وفي خياله كان بين نارين : ابنته الكبرى قد تكون الآن بين أيدي الأطباء في غرفة العمليات والعملية التى ستجريها أكد الجميع على خطورتها لكن لا مناص ، لابد من إجرائها وزوجته المريضة بالقلب تركها قلقة ، ممنوعة من السفر فكيف تراه يكون حالها الآن ؟ هل تراه أخوه سيقوم على طلباتها كما وعد أم تراه يفعل كالمعتاد ولا يسأل عنها وعن أولاد ه ؟
تذكر أرضه التي ستبقى كما تركها ، فأطفاله لم يشتد عودهم بعد لتحمل مسؤولياتها الصعبة في غيابه … تكفله بوالدته وإخوته بعد وفاة والده وتأخره في الزواج إلى سن متقدمة حرمه من أولاد يستند عليهم في كبره – هكذا هي الدنيا كلما ابتسمت للإنسان ضحكت عليه أكثر- .
تحركت الفتاة ملقية برأسها إلى الخلف وقد أوحت ملامحها بأن وجعا ما قد تحرك بالأعماق …. شيء ما وخز جرحا عميقا يربض بدوا خلها فعاوده النزيف … والعجوز أم كلثوم تردد … بعيد عنك حياتي عذاب …مدت يدها إلى حقيبتها ، أخرجت بعض الصور وجعلت تتأملها بنظرات منكسرة …. تبتسم أحيانا وتقطب جبينها أحيانا أخرى .
أف ما ظنته يجيء اليوم الذي تخونها فيه صديقتها إحسان العارفة الوحيدة بقصة حبها لعبد الله… كانت لا تجيد كتابة الرسائل لذلك كلما غزاها الحنين إلى عبد الله استدعتها وباحت لها بكل ما يختلج صدرها من شوق وحب لتنمقه إحسان في كلام عذب جميل وخط أجمل تحفهما هي في الغالب بزهور جميلة تعبئها بعطرها المميز الذي يحبه عبد الله كثيرا وهي تعرف أن الغانيات في المدينة كثيرات لكن ثقتها في عبد الله تجعلها توشح رسائلها بقبلات مفعمة الصدق وتدسها في صندوق بريدي تعرف جيدا أنه بارد جدا لكنها مع ذلك تأتمنه على دفء رسائلها وأشواقها .
إحسان اليوم ترفل في أحضان عبد الله ، كلاهما احترف خيانتها في غفلة منها ، ووحدها بقيت في قريتها الصغيرة تحوطها تخاريف- عاودتها الحياة – لنسوة وعجائز زكى الجهل غفلتهن وجعلهن يرددن على مسامعها ومثيلاتها ألف حكاية وحكاية …..أنت مسحورة عليك بزيارة عراف القرية ليفك عقدتك وتتزوجين ، ووحدها تعلم أن عقدتها ليست سحرا…عقدتها صنعها عبد الله – لا ثقة في الرجال- وصنعتها إحسان – لا ثقة في إحسان وكل بنات حواء – ليتها لم تكن منهن – ليتها لم تكن أصلا .
والعجوز أم كلثوم ما تزال مصرة على ترديد : بعيد عنك حياتي عذاب …..
مزقت الصور في هدوء بارد ورمت بها من نافذة السيارة والمطر يغسل وجه الطريق – عادت إلى هدوئها من جديد وهي تأمل أن هروبها إلى أحضان خالتها
بالمدينة سوف ينسيها همها ولو قليلا.
والشيخ الطاعن في السن يدير حبات سبحته في ثقة كبيرة متمتما بدعوات لابنته وزوجته المريضتين .
الشاب الجالس إلى الخلف متذمرا من شخير السيد النائم إلى جواره منذ انطلقت الرحلة …. أحس بالبرد -حتى هذه السيارة الضيقة لم تؤمن له بعض الدفء – فكيف تراها الحياة تدفئه أو ترعى أحلامه -؟
مذ توفت والدته فقد لذة العيش …. لطالما تمنى أن تتوقف به الحياة في محطة من محطاتها وتمهله لينزل ويرتاح ، لكنها أبدا الأيام لم تمهله أخذ النفس مذ كان صغيرا أشقته كثيرا ،تخطف أحلامه دوما من بين أحضانه أو تغمسها في الدمع كل مرة ليجدها مالحة النكهة ….. هو يكره الملح كثيرا ، يحب السكر أكثر …..
يتذكر والدته المسكينة كيف كانت تحشو جيوبه بقطع السكر كلما قصد المدرسة ممتحنا، كان وحيدها …… كل حياتها ….. لم يعرف والده أبدا ….. تقول حكايات الجيران والأقارب أنه هجر والدته بعد ستة أشهر من زواجهما ولم يظهر بعد ذلك في أي مكان ، قيل هجر الوطن بأكمله …. قيل تزوج ابنة أحد أثرياء المدينة المجاورة…… قيل غرق في إحدى رحلات الصيد – كان يحب البحر كثيرا – ….. وقيل أضحى سكيرا تعبث به شوارع المدن الكبيرة وتبصقه من حين إلى آخر في محطة من المحطات المزدحمة …..
حلم والدته أن تراه محاميا ينصف الأبرياء كان يحوطه بالمنزل ويروي له ظلها الكثير عن دموعها التي ذرفتها فعافت كل الأفراح في بداية عمرها … ووحده وليدها الذي كان أملها أن تراه محاميا أنيقا يهز أركان المحاكم وهو يصدح بقول الحق بأعلى صوته في وجوه الأعيان والأكابر المتسلطين فيمسح دموع المساكين والفقراء والأبرياء ….. كان سيفرحها .
هو الآن متحصل على شهادته منذ ثلاث سنوات يوشح بها صدر غرفته إلى جوار صورة والدته التى لم يسعفها القدر كي ترى حلمها ماثلا أمام عينيها ….. ارتحلت قبل أن تفرح … فرحتها الأولى- بزواجها – كانت منذ أزيد من خمسة وعشرون سنة وفرحتها بمولد ابنها أجلت إلى يوم تراه محاميا ناجحا ….لكنها رحلت دون أن تفرح .
هو الآن متجه صوب العاصمة عله الحظ يسعفه هذه المرة ويكون النجاح حليفه
في المسابقة المعلن عنها منذ مدة ….. هو يعرف أن الحظ قليل في الفوز لكنه سيحاول ….. وطيف والدته يقفز من شجرة إلى أخرى على حافة الطريق أنساه البرد قليلا .
والعجوز أم كلثوم لم تستح ولم تصمت …. أثارت شجون كل أولائك ومازالت تكرر بإصرار” بعيد عنك حياتي عذاب”
والسماء تبكي وترمي بكل أحزانها في قلب هذا البحر الواسع .
الذبابة لم تتحرك في فضاء السيارة منذ مدة ….السائق ما يزال يلوك علكته ….. مد يده وأوقف العجوز أم كلثوم عن عويلها …..
أعاد شريطه من جديد ” يا الرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي ”
المدينة بدأت تعلن عن وجودها من بعيد وقد أشعلت مصابيحها نهارا حتى ترى وجوه القادمين إليها جيدا باحثة عن ملامح تنبئ بفرح ما ….. الذبابة استعادت نشاطها من جديد ، الكل سعد بعودتها حسب ما وشت به الملامح …. انتشلت كل واحد من هواجسه وأشجانه ….. حيوية ما تحركت في نفوسهم عند رؤيتها …. والمدينة ما تزال تعلن عن وجودها ، تكاد تصرخ بأعلى صوتها حتى تثير انتباههم وتسرق منهم عيونهم ، لكنها الذبابة النشيطة محل انشغالهم … ذبابة صغيرة تشغلهم عن المدينة بكل أضوائها …؟
السائق زاد في سرعة سيارته الصفراء التى تحرشت بالإسفلت غازية المدينة ….. الضباب يلف رؤوس العمارات العالية كأنها تعاني صداعا رهيبا ….. برغم الجو البارد والمطر الغزير ناس المدينة في غدوهم ورواحهم ليس يمنعهم شيئا .
البحر يبدو حزينا مقطب الجبين فاتحا ذراعيه لسفن عافت الإقلاع من مرافئها …… والسماء تبكي وترمي بكل أحزانها في قلب هذا البحر الواسع العميق .
تحرك السائق في مقعده محتضنا المقود بذراعيه …… استدار إلى الخلف كأنه يعد الركاب ليتأكد أنه لم يخلف منهم أحدا ….. ثم قال : ” الرجاء الدفع قبل الوصول إلى المحطة ” …. أخيرا نطق وسمعوا صوته ولسان حال كل واحد منهم يقول : سكت دهرا ونطق كفرا ….. كل واحد منهم تحسس جيبه مخرجا نقوده في رتابة ، إلا هاته الذبابة الوحيدة التي لم يعنها ما قاله السائق ….. الراكب السادس لا يزال يغط في سبات عميق ولا أحد فكر في إيقاظه ….
اقتربت منه الذبابة حيية ، ليستقر بها المقام على وجهه …… السيارة تكاد تصل إلى المحطة، كل واحد جهز نفسه للنزول .
والراكب النائم ما استفاق …… الذبابة تكاد تفقد ثقتها في قدرتها على ازعاج الآخرين ….
ها هي ذي تروح وتجيء في عصبية على وجه السيد النائم وأخيرا تحرك ، فتح عينيه محاولا تبين الوجوه من حوله ….
ووجه المحطة يعلن عن قبول الوافدين الجدد على مضض …. الأرصفة مكتظة …. الأصوات متعالية، الضجيج سيد الموقف الآن .
نزل الجميع في وهن …. تناولوا حقائبهم وتفرقوا في اتجاهات مختلفة … واليته والخوف يرافقانهم والمجهول يقبل أقدامهم وسحابة سوداء تحجب عنهم سماء المدينة والبحر حزين يشهد وصولهم ….
السائق يلوك لمجة ابتاعها من أحد الصبية الذين ضجت بهم المحطة ……. ووحدها الذبابة بقيت حيرى ، ليست تدري أي الدروب تسلك ، ورائحة الغربة تغزو أنفها …… ووجه البحر الحزين يزكي مخاوفها ، والسماء تمطر بنهم كبير …..
ولا شيء مرض وقع عليه بصرها ….شعرت بالبرد يغزو عروقها …..
وحيدة بقيت ….. خرجت من السيارة ببطء فما أحست بالأمان …. ذبابات المدينة خضراء اللون قوية الأجنحة .
البحر مخيف ، تراه وحشا يريد التهامها ……. ضجيج المحطة يكاد يصم أذنيها ….. وحيدة غريبة وجدت نفسها ….كل الدروب المفتوحة أمامها لن تؤمن حياتها.
أحد الجياع على الرصيف يمد يده الباردة نحو المارة ولا أحد تكرم عليه بشيء….. نظرت اليه بشفقة وهو يفتح فاه مرددا نداءات صاخبة الوجع …… تقطع قلبها لحاله …. فارتمت في فمه عله جسمها النحيل يذهب بعض جوعه….
في ذات الوقت كان من رافقوها في الرحلة قد دخلوا المدينة كل من مدخل مختلف وفي نفس كل واحد منهم سؤال عن مصير الذبابة المسكينة في مدينة لا تعترف إلا الأقوياء.
- الذبابة
- التعليقات