كان الصباح مثلجا، أخطو ببراءة طفل نحو مدرسة لا تشبهني.. على ظهري محفظة تزنني، يدي يميل لونها للزرقة، ألفها في أكمام معطفي الأسود الذي يكبرني، على رأسي طربوش والدي الذي أصر أن يُلبسني إياه وإن كان يُسبب لي حكة تزعجني.. بين خطوة وخطوة أسحب مقدمة أنامل يدي اليمنى ببطء شديد، أرفعها في هدوء نحو رأسي، أتسلل بها من تحت الطربوش، أحطها فوق مكان الحكة فأحركها يمنة ويسرة أو صعودا ونزولا..ثم أسحب بنفس الهدوء من تحت الطربوش لأعيدها حيث الدفء بين أكمام المعطف.. أكرر العملية على طول الطريق الفاصل بين المنزل والمدرسة، طريق يطول جدا عندما تثلج السماء..
أخطو لداخل الفصل، تستقبلني وجوه تشبهني جدا، نفس زرقة الأيادي، نفس زرقة الخدود.. الأستاذ نفسه لا يختلف عنا إلا بذاك الوشاح الصوفي الذي يحيط عنقه.. قبل أن يبدأ الدرس، كان ملزما كل صباح بارد أن يُشعل المدفأة التي قد تسعفه أو قد لا تسعفه حسب نوع الحطب وجودته… أسعفته ذاك الصباح، كانت نفس بسمتي تنير الوجوه جمعاء لحظة طلب منا الأستاذ، ببسمة تشبهنا، أن نقترب من المدفأة واحدا تلو الآخر..
انتهت الساعات الأربع، غادرت الفصل أولا كما اعتدت خوفا من أفوت حلقة الرسوم المتحركة المعنون بـ ” البؤساء”، الذي سأدرك بعد سنوات أنه رائعة من روائع الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو.. كان الثلج مازال يكتسي ذاك الجزء من هذا العالم، أسرعت الخطى وإن كانت تُثقلها محفظتي..بعد دقائق لم تتجاوز العشرين كنت ألج المنزل، لاحظت بمجرد ما ولجت أن هناك أحد ما بغرفة الضيوف.. اقتربت بهدوء لأحاول أن أستطلع من بالداخل، وضعت قدمي اليسرى على عتبة الباب وبسطت رأسي بهدوء لأسرق نظرة نحو الداخل، إلا أن صوت والدي فاجأني طالبا مني أن أدخل.. استجبت بعد أن تركت محفظتي عند عتبة الباب.. كان والدي يجلس على أريكة بالجانب الأيسر من الغرفة بينما على الجانب الأيمن كان يجلس شخص ما لا أعرفه، بطربوش أسود، وشارب بارز..يضع قدما على أخرى ويُمسك غليونا بيده اليسرى.. بين والدي وذاك الغريب كانت المائدة التي حوت صينية شاي فضلا عن بعض الصحون بها بعض الحلويات المغربية وبعض الفواكه الجافة…
– ألقي التحية على عمك حسن..
استجبت لطلب الوالد، دنوت بسرعة وانحنيت على يده لأقبلها إلا أنه سحبها دون أن يترك شفتاي تلامسها.. احترمت فيه هذا جدا، أحببته بداية قبل أن يسترسل والدي:
– عمك حسن جاء ليحلق شعرك..
ثم وفجأة تحول الحب لكره، ربما كرهت والدي نفسه لحظتها.. بدأ جسدي يرتعد أثر الخوف هذه المرة.. تطلعت بوالدي الذي لم يُفاجأ بدمعتين تنزلين دافئتين فوق وجنتاي، كان يعرف جدا أن تلك ستكون ردة فعلي، كان يعرف أني لا أكره شيئا أكثر من حلق شعري وأنا الذي رفضت عشرات المرات أن أرافقه للحلاق لكني لم أتوقع أن يكون والدي يكره شعري لدرجة أن يجلب رفقته الحلاق إلى المنزل..
كنت مرتبطا وجدانيا بشعري ومازلت، ليس مجرد جزء من جسدي، هو أكبر من ذلك بكثير..
لم أفكر فيما يجب أن أفعله، أدرت وجهي وركضت بكل ما تبقى في من قوة، اصطدمت بالباب، كدت أتعثر لكني أكملت الركض نحو حضن والدتي التي لم تحتج أن تسألني عما بي.. كانت تعرف جيدا لما أبكي.. حاولت أن تُفهمني أن حلق شعري ضروري، وأن الشعر الطويل خاص بالإناث، وأن الاحتفاظ بشعري “عيب”… إلا أن كل ذاك ما كان ليقنع طفلا بأن يتخلى عن شعره.. ما هي إلا ثواني حتى التحق بي والدي الذي ما عادت له قدرة على أن يحاول إقناعي بالتي هي أحسن فاختار أن يصفعني.. تحولت دموعي الصامتة إلى صراخ، لم ينفع صراخي أيضا لحظة أمسك بذراعي اليمنى وسحبني خلفه، حاولت والدتي أن تبعده عني لكنه كان مصرا..
استسلمت لأنامل العم حسن..
- الرجفة الأولى
- التعليقات