الفجر يتثاءب ينفض عنه عباءة السواد..يمرر أنامله البلورية على تلك الأحراش ويمسح شيئا فشيئا، وبهدوء ظلمة العتمة ،تنسحب تلك الهوام الليلية إلى جحورها ،لا تحب النور ،لكنها تفضل منه ضوء القمرالباهت الذي يخبو من حين لآخر وراء سحابة شاردة في ملكوت السماء الرحب، تدغدغها نسيمات الصباح ،جهة اليمين، وجهة الشمال فيظهر ذلك القراد الملتصق بتلك الربوة كالأنف الضخم يستمد جدوره من الجبهة . ثم تختفي، تتلاعب بها السحابة :لعبة كهربائية تعبث بها أصابع طفل مشاغب .تفتض أجنحة ديك بكارة الصمت ويشفعها بصياح مبحوح لم تعبد أمامه الطريق بعد..كانت حركة أبي خفيفة وهو يلملم أشياءه ويجمعها في أكياس أعدت للحبوب ، استعدادا للرحيل الذي كان يجعل قلوبنا تنتفخ وتدق بقوة جهة اليمين وتصم منا طبلة الأدن . لم نكن نعرف معنى الرحيل .فقط نلتقط كلمة من أمي وأخرى من أبي ،نجمعها ونركبها، نفهم منها أننا سنخرج من ربوتنا كالجنين الخدج يسبق المخاض ،أننا سنترك أولاد الجيران، وكلابنا الوفية لن يكون لها مكان بيننا . سنغدر بها ،ونتركها تتدبر أمورها لوحدها في تلك الخرابة التي ستلفظنا إلى عالم آخر أكبر بكثير من فهمنا الطفولي الصغير .إستيقظت أمي وآثار النعاس بادية على عينيها المنتفختين ، وشرعت في مساعدة أبي على جمع ذكرياتنا وأشيائنا الثمينة التي عاشت معنا ،وعشنا معها، و قبل ميلاد إخوتي ،ومن حين لآخر تدخل مع أبي في مشادات كلامية عنيفة.يرمي لها بعض الأغراض جانبا ،يرى أنها لا تصلح إلا للمزابل ،ولكنها تتمسك بها ، فهي أعرف منه بأهميتها ،كنا نتظاهر بالنوم . ونرقب المشهد من بعيد وكأننا لسنا جزءا منه .
* يطالع ضوء باهت من بعيد ،ثم يختفي ،ثم يظهر ، والشعاب تمتصه حينا والروابي تلفظه حينا آخر. وهكذا إلى أن يقترب منا كثيرا ونصبح قادرين على تمييزه. لم يكن له مقصد آخر، كنا مقصده ، ولم يكن غيرنا في طريقه، إنه قادم إلينا لا محالة .استطلع أبي أمره وتنهد عميقا ،و بنبرة يشوبها قليل من الإرتياح والطمأنينة ،وقال لأمي :
-وأخيرا وصل ..
قالت أمي بسخرية يتخللها عتاب مبطن:
-الله يستر عاقبتنا ، من الذي وصل ؟.
قال لها : – إبراهيم صاحب العربة ! سنكون في المدينة إن شاء الله قبل أن يلمس أول خيط من الشمس تربة هذه الأرض التي زهدت فينا، وأصبحنا عبئا عليها ،منذ سنوات ونحن نقتات من ماء أمعائنا ،ونشارك الضفادع والحشرات ماءها في تلك البركةالراكضة، التي أوحلت ونضب ماؤها .أرضنا رفضتنا وتخلت عنا وبخلت علينا ولم يبق لنا من خيار آخر!
كانت العربة قادمة اتجاهنا ،تتهادى وتتقادفها السهول والروابي ،كسفينة في خضم أمواج بحر هائج ، عاصف . و الظلمة تبثر اليد إذا تجاوزت صدر صاحبها .كان زفير الحصان يسمع واضحا وهو يغالب قسوة المرتفعات والمنحدرات . كنا نرقب الوضع عن كثب ، ولم نكن نجرؤ على الحديث أو إبداء الرأي، كنا أشياء ستجمع مع مستلزمات الرحيل .
وصل إبراهيم بعد مشقة والعياء يمتص منه القوة ،فيقعى كالكلب، لم يكن هناك ما سيفترشه كل شيء كان في الأكياس .إلا خرقة بالية كنا نحتمي بها نحن الأطفال من نسيمات الفجر الباردة جدا، شولة عقرب تلذغ أجسامنا النحيلة.! عالجه أبي بكوب شاي ساخن و رماه بكسرة خبز حاف بقيت قسرا من عشاء البارحة، تحسبا لقدوم هذا الذي سينتزع النبتة من جدورها ، ويقدفها في عمق صحراء العدم ،صحراء فراغ الذاكرة ، هذا القادم الذي كرهناه، صاحب العربة المشؤومة ،شرع أبي يرمي تلك الأكياس في العربة .لم تكن تربو محتوياتها عن أسمال رثة وألحفة بالية فقدت ألوانها ، وامحت رسوماتها،ربما سنجد أحسن منها في مزابل المدينة ، قفز ابي إلى جانب إبراهيم الذي مقتناه، وإن لم نتبين حتى تقاسيم وجهه في تلك الظلمة الدامسة، كان يشد على المصباح بيده اليمنى واللجام في يده اليسرى، ومن حين لآخر تظهر لنا سحنته الجادة القمحية اللون وعليها رسوم وأشكال عجيبة .في الجهة الخلفية من العربة تكومنا نحن الثلاثة نطلب الدفء ،وأمنا تحضننا دون أن تكلمنا ،شاردة الذهن زائغة النظرات .
*عالج إبراهم الحصان بالسوط ،مرة جهة الوريد، وأخرى أسفل البطن، فتحركت العربة ،تبحث عن مسلك لها في تلك الأحراش ،وكلابنا تشيعنا بعواء حزين أشبه بعواء الذئاب . .أجبرنا على عدم إخفاء نحيبنا ،التفت ابي وبنبرة صارمة :
– أين سنضع هذه الكلاب ؟ أنضعها فوق رؤوسنا ؟ وأين سنسكنها ونحن لم نعرف بعد رؤوسنا من أرجلنا ؟!،
بدات العربة تلتهم الأرض تحت حوافر الحصان الذي تنزل عليه ضربات السوط غيثا مدرارا ،وزفيره يشتد وعواء الكلاب يضعف ،يضعف إلى ان يختفى تماما ، لم نكن نعرف أهو العواء اختفى ام نحن أفقدنا الحزن الذي تكور في حلوقنا السمع ؟! لم نعد قادرين على ابتلاع الريق وإن فعلنا فبصعوبة مؤلمة ،كيف ألم تكن هذه الكلاب جزءا منا ؟!
-كيف نتنكر لها ونرميها لمصير مجهول في تلك الخرابة الموحشة ؟!
وصلت العربة إلى الطريق المعبدة وإبراهيم بحزم يدير دفة حركة الحصان صوتا وسوطا ، فيركض كالمجنون ، والحوافر تعزف لحنا موسيقيا حزينا تشوبه مسحة من الوحشة والحماس والخوف ، وتعكره من حين لآخر رفرفة أجنحة طائر تائه في مجاهل حلكة الليل أو نباح كلب حراسة .
كانت هذه الصورة تنحت نحتا لن يزول من الذاكرة، سيتمنع ويستعصي على النسيان ،كنا واجمين ،صما، بكما ،لا أحد يكلم احدا ،حتى أبي شعرنا به يدرف دموعا لكنها تقطر دما في قلبه لا في مآقيه ، فهو أيضا كالشجرة التي اقتلعت من جدورها ،وابي مثلنا كثلة من الأحاسيس والمشاعر وإن لم يفصح عنها،فدموعه كرجل أشد وخزا من الإبرفي صمام القلب. في هذا الصمت الموحش ، صمت المقابر
*أحسست بيد قوية تقتلعني من العربة ،وبرغبة جامحة في التقيأ و الغثيان. وشعرت بدوار شديد. حاولت مقاومته وتكلفت الصبر ،لكن إنها الذاكرة اللعينة تختطفني من بين إخوتي وتحوم بي في الزمن البعيد، القريب جدا ، أعادتني ذكرياتي إلى زمن اصدقائي في المدرسة ونحن نقطع عشرات الكلومترات مشيا على الأقدام و بسرعة قصوى تجنبا للمسطرة الحديدية التي كانت تزور رؤوس أصابع المتأخرين وكان المعلم يسميها :تخضيب البنان
*ثمة خشخشة وهمس غير مسموع، كان يصدر من محفظة ذلك البليد ازرق العينبن الذي اكتشف المعلم ذات يوم انه مسؤول كبير عن انشاء جمعية خاصة به تهتم و تعنى برعاية الخنافيس والجعل والديدان ،وفي بعض الاحيان حتى العقارب،كان يجمع هذه الحشرات في علبة شاي صفراء ويطعمها لمدة أسبوع تم يطلق سراحها ويجمع فيلقا جديدا وهكذا ، انتشلتني صورة ذلك الزميل والمعلم يجبره على ابتلاع تلك الحشرات وهو يستغيث ويتقأ،كذلك كان زميلنا المستكرش الذي لم يكن يميز حتى بين جنس البقرة والثور إلا،برفع الذيل، تذكرت عندما كنا منهمكين في حل مسألة حسابية معقدة أو هكذا كنا نراها وكانت حجرة الدرس لا يتحرك فيها الا الصمت ولا يسمع فيها إلا طنين بعض الذبابات التي خرجت عن طوع المعلم ،اشرأب قنفوذ برأ سه من الجيب االفضفاض لمعطف زميلنا المستكرس وكان عريضا كفاية، لمحه المعلم الذي كان يمر بين الصفوف فأمره بالتوجه الى السبورة ،هناك بدأت عملية التعذيب البدني القاسي ،يجبره المعلم على إخراج القنفوذ من جيبه ،فلا يرضخ هذا الحيوان الذكي لمشيئة المعلم ، يتكور على نفسه ويستل أشواكه من أغمادها، ويمتنع عن الخروج من الجيب، فيفلت وينجو بجلده، لكن مولاه يطرحه المعلم أرضا ويضع قدمه بحدائها الثقيل على بطنه وكان لتوه قد بالغ في شرب اللبن خارج اسوار المدرسة ، كلما ضغط بالحداء على بطنه كلما عالجنا زميلنا بطلقات قوية من ريحه الكريهة التي تزكم أنوفنا ورغم ذلك، فالضحك ممنوع فهو أشبه بالجريمة،انتابتني نوبة من الضحك وبالغت فيه وسرعان ما انتشلني الواقع المر بصرخة من أمي تنهرني وتأمرني بالتزام الصمت ، فأجهشت في البكاء .كان نور الشمس قد تمكن من دحر فلول الظلمة فتراءت لنا المدينة على بعد كلمترات قليلة وكانت مصابيحها المشنوقة في أعلى الاعمدة المنتشرة في كل مكان لازالت ترسل ضوءها الخافت في جميع الأزقة والدروب .كنا نقترب من هذه الكتلة الاسمنتية البيضاء،فتزداد معالمها وضوحا ، فإذا بها أدغال كثيفة من البنايات التي تداعب النجوم في السماء.استفقت من غيبوبتي وقلت لوالدي :- يا أبي ماذا سنفعل في مشكل المدرسة ؟ فكر ابي مليا وقال:- يحلها حلال يا ولدي !! لم أقتنع بجوابه..فأعدت طرح السؤال بصيغة أخرى أكثر إيحاء : -ألا ترى يا أبي أن الأطفال هنا ايضا يلصقون المحافظ على ظهورهم الصغيرة ؟ شعر أبي بضيق في التنفس حد الاختناق . وصاح :
أصمت يا هذا ! متى كان أبوك صاحب مدارس ؟! فلفني الصمت من جديد..كل فرقعة من حوافر الحصان بلؤلؤة براقة كبيرة تنحدر فوق خدي ، وانا أبتلع ريقي بصعوبة ممزوجا بمخاط هذا الصباح.!!!!

أضف تعليقاً